امتناعه ، فهو الذي يخاف ويرجى ويسأل ويجيب إن شاء وإن شاء ، فهو عزيز عن أن يتصف بالخوف والرجاء وعن مثل هذا ، وهو أيضا عزيز أي يمتنع أن يؤثر فيه أمر يحول بينه وبين عموم مغفرته على عباده ، ولذلك قال
« غَفُورٌ »
بما ستر ، وجاء ببنية المبالغة في الغفران بعمومها ، فهي رجاء مطلق للعصاة على طبقاتهم ، فإنه لما كانت علوم اللّه وأسراره الراجعة إليه تعالى وإلى أسمائه وإلى العالم قد سترها عن الخلق كلهم بالمجموع ، فلا يعلم المجموع ولا واحد من الخلق ، لكن له العلم بالآحاد ، فعند واحد ما ليس عند الآخر ، فهو بالمجموع حاصل لا حاصل ، فهو حاصل عند المجموع غير حاصل عند واحد ، فعند واحد من العلم باللّه ما ليس عند الآخر ، فلذلك قال :
« إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ »
.
[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 29 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ( 29 )
[ صدقة السر وصدقة العلن ]
« وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً » *
خرج مسلم عن جرير بن عبد اللّه قال : كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة ، مجتابي النمار متقلدين السيوف ، عامتهم من مضر ، بل كلهم من مضر ، فتمعر وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن ، وأقام فصلى بهم ثم خطب فقال : [ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا اللّه الذي تساءلون به والأرحام إن اللّه كان عليكم رقيبا
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ )
تصدق رجل من ديناره ، من درهمه ، من ثوبه ، من صاع بره ، من صاع تمره ، حتى قال : ولو بشق تمرة ، قال : فجاء رجل بصرة من الأنصار تكاد كفه تعجز عنها ، بل عجزت ، قال : ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب ، حتى رأيت وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينتقص من أجورهم شيئا ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينتقص من أوزارهم شيئا ] وإخفاء الصدقة شرط في نيل