المخالفة ولا نور الموافقة .
[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 21 إلى 24 ]
وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ( 23 ) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 )
[ الخلق كله أمم ، وفي كل أمة نذير من جنسها ]
« وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ »
كل أمة على حسب ما تعطيه حقيقتها وتقبل رقيقتها ، فإن اللّه تعالى يقول :
( وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ )
فألحق البهائم بالأمم وحكم بذلك وعمّ ، وكل أمة في أفقها ناطقة وفي أوجها عاشقة ، فليس في الوجود جماد ولا حيوان إلا ناطق بلسان ، لسان ذات لا لسان حال ، والقائل بخلاف هذا قائل محال ، وفي كل أمة من الأمم نذير من جنسها على حسب نفسها ، فعمت الشرائع جميع الخلائق ، فنكّر الأمة ونكّر النذير ، والنذير قد يكون لكل واحد منهم نذير في ذاته ، وقد يكون للنوع من جنسه ، لا بد من ذلك ، من حيث لا يعلمه ولا يشهده إلا من أشهده اللّه ، وهذه الآية ليست بنص في الرسالة إنما هي نص أن في كل أمة عالما باللّه وبأمور الآخرة ، وذلك هو النبي لا الرسول ، ولو كان الرسول لقال : إليها ، ولم يقل : فيها ، ونحن نقول : إنه كان فيما قبل نوح عليه السلام - وهو أول رسول - أنبياء عالمون باللّه ، ومن شاء وافقهم ودخل معهم في دينهم وتحت حكم شريعتهم كان ، ومن لم يشأ لم يكلف ذلك ، وكان إدريس عليه السلام منهم ، وما من شيء في الوجود إلا وهو أمة من الأمم ، فإنه تعالى ما يعذب ابتداء ولكن يعذب جزاء ، فإن الرحمة لا تقتضي في العذاب إلا الجزاء للتطهير ، ولولا التطهير ما وقع العذاب ، وقد [ قال صلّى اللّه عليه وسلم في الكلاب : إنها أمة من الأمم ] فعمت الرسالة الإلهية جميع الأمم ، صغيرهم وكبيرهم ، فما من أمة إلا وهي تحت خطاب إلهي على لسان نذير بعث إليها منها وفيها ، فإن كل جنس من خلق اللّه أمة من الأمم ، فطرهم اللّه على عبادة تخصهم أوحى بها إليهم في نفوسهم ، فرسولهم من ذواتهم ، إعلام من اللّه بإلهام خاص جبلهم عليه ، كعلم بعض الحيوانات بأشياء يقصر عن إدراكها المهندس النحرير ، وعلمهم على الإطلاق بمنافعهم فيما يتناولونه من الحشائش والمآكل وتجنب ما يضرهم من ذلك ، كل ذلك