تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
الممكنات وهي لا تتناهى ، وما لا يتناهى لا ينفد ولا يحصره الوجود ، من حيث ثبوته لا ينفد ، فإن خزانة الثبوت لا تعطي الحصر ، فإنه ليس لاتساعها غاية تدرك ، فكلما انتهيت في وهمك في اتساعها إلى غاية فهو من وراء تلك الغاية ، ومن هذه الخزانة تظهر كلمات اللّه في الوجود على التتالي والتتابع أشخاصا بعد أشخاص ، وكلمات إثر كلمات ، والبحار والأقلام من جملة الكلمات ، والمادة التي ظهرت فيها كلمات اللّه التي هي العالم هي نفس الرحمن ، ولهذا عبّر عنه بالكلمات ، فقيل في عيسى عليه السلام : إنه كلمة اللّه ، وصدرت هذه الكلمات عن تركيب يعبر عنه في اللسان العربي بلفظة كن ، فكلمات اللّه كلها عن كلمة اللّه كن ، وعنها تنشأ الكائنات ، وقد أخبر اللّه أنه ما من شيء يريد إيجاده إلا يقول له كن ، وجاء بلفظة كن لأنها لفظة وجودية ، فنابت مناب جميع الأوامر الإلهية ، فتظهر أعيان الكلمات وهو المعبر عنها بالعالم بكلمة كن ، فالكلمة ظهورها في النفس الرحماني ، والكون ظهورها في العماء ، فيما هو للنفس يسمى كلمة وأمرا ، وبما هو في العماء يسمى كونا وخلقا وظهور عين ؛ فكلمات اللّه لا تنفد وهي أعيان موجوداته ، والوجود كله كلمات اللّه التي لا تنفد أبدا . واعلم أن فائدة الكلام الإفهام بالمقاصد للسامعين ، والأحوال مفهمة وهي الكلام ، ولا يخلو موجود أن يكون على حال ما ، فحاله عين كلامه ، لأنه المفهم الذي ينظر إليه ما هو عليه في وقته ، فلا لسان أفصح من لسان الأحوال ، وقرائن الأحوال تفيد العلوم التي تجيء بطريق العبارات ، والعبارات من جملة الأحوال ، فانطلق في الاصطلاح اسم الكلام على العبارات .

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 28 إلى 29 ]

ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 28 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 29 )

[ « كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى »

الآية ] راجع سورة الحج آية - 61 -
« كُلٌّ »
يثبت إلى وقت معين ثم يزول حكمه لا عينه ، فإنه تعالى قال :
« يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى »
فإذا بلغ جريانه الأجل زال جريانه وإن بقي عينه . واعلم أن اللّه تعالى جعل لكل صورة في العالم أجلا تنتهي إليه في الدنيا والآخرة ،