[ تفسير من باب الإشارة : « إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ »
]
« إِنَّ أَرْضِي »
فأضافها إليه أشد إضافة من قوله :
( أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ )
فهي إضافة خاصة ، ثم قال :
« واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ »
يعني فيها ، ومما تعطيه هذه الآية من وجه من الوجوه لطبقة خاصة من المؤمنين أنهم نظروا ما هي أرض اللّه ؟ فقالوا : كل أرض موات لا يكون عليها ملك لغير اللّه ، فتلك أرضه الخاصة به ، المضافة إليه ، البرئة من الشركة فيها ، البعيدة عن المعمور ، فإن الأرض الميتة القريبة من العمران يمكن أن يصل إليها بعض الناس فيحييها فيملكها بإحيائها ، والبعيدة من العمران سالمة من هذا التخيل ، فقالوا ما أمرنا اللّه بالعبادة فيها إلا ولها خصوص وصف ، وليس فيها من خصوص الأوصاف إلا كونها ليس فيها نفس لغير اللّه ، ففيها نفس الرحمن ، فإذا عبد الإنسان ربه في مثل هذه الأرض وجد أنسا من تلك الوحشة التي كانت له في العمران ، ووجد لذة وطيبا في قلبه وانفراده ، وذلك كله من أثر نفس الرحمن الذي نفّس اللّه به عنه ما كان يجده من الغم والضيق والحرج في الأرض المشتركة ، وهذا ما أدى بعض العباد إلى السياحة ، فرأوا في هذه الأرض من الآيات والعجائب والاعتبارات ما دعاهم إلى النظر فيما ينبغي لمالك هذه الأرض ، فأنار اللّه قلوبهم بأنوار العلوم ، وفتح لهم في النظر في الآيات ، وهي العلامات الدالة على عظمة من انقطعوا إليه وهو اللّه تعالى - تفسير من باب الإشارة - ثم لتعلم أيها الأخ الولي أن أرض بدنك هي الأرض الحقيقية الواسعة التي أمرك الحق أن تعبده فيها ، وذلك لأنه ما أمرك أن تعبده في أرضه إلا ما دام روحك يسكن أرض بدنك ، فإذا فارقها أسقط عنك التكليف مع وجود بدنك في الأرض مدفونا فيها ، فتعلم أن الأرض ليست سوى بدنك ، وجعلها واسعة لما وسعته من القوى والمعاني التي لا توجد إلا في هذه الأرض البدنية الإنسانية ، وأما قوله :
( فَتُهاجِرُوا فِيها )
[ إشارة : قلبك هو الكعبة في أرض بدنك ]
فإنها محل للهوى ومحل للعقل ، فتهاجروا من أرض الهوى منها إلى أرض العقل منها ، وأنت في هذا كله فيها ما خرجت عنها ، فإن استعملك هواك أرداك وهلكت ،