[ سورة القصص ( 28 ) : آية 30 ]
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 30 )
فثبته الخطاب الأول بالنداء لأنه خرج على أن يقتبس نارا أو يجد على النار هدى ، وهو قوله :
( لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ )
أي من يدله على حاجته ، فكان منتظرا للنداء ، قد هيأ سمعه وبصره لرؤية النار ، وسمعه لمن يدله عليها فالشجرة ظهر النور فيها للمكلّم موسى عليه السلام ، فإنه كان طلب موسى عليه السلام النار لأهله ، ليصلح به عيشهم ، ونودي في شجرة واديه ، من التشاجر ، وهو مقام تداخل المقامات ، لأنه مشهد للكلام ، والكلام متداخل المعاني على كثرتها ، فأشبه الشجرة ، فنودي من الشجرة وفي النار لأنها مطلوبه ، فلا يتغير عليه الحال ، فيسرع بالإجابة من غير انتقال من حال إلى حال ، فإن النار تراءت له متعلقة بالشجرة ، وأهل الكشف الذين يرون الوجود للّه بكل صورة ، جعلوا الشجرة هي صورة المتكلم ، كما كان الحق لسان العبد وسمعه وبصره بهويته لا بصفته ، كما يظهر في صورة تنكر ويتحول إلى صورة تعرف ، وهو هو لا غيره ، إذ لا غير ، فما تكلم من الشجرة إلا الحق فالحق صورة شجرة ، وما سمع من موسى إلا الحق فالحق صورة موسى من حيث هو سامع ، كما هو الشجرة من حيث هو متكلم ، والشجرة شجرة وموسى موسى لا حلول ، لأن الشيء لا يحل في ذاته ، فإن الحلول يعطي ذاتين ، وهنا إنما هو حكمان - مسئلة - إن الملائكة إذا تكلم اللّه بالوحي كأنه سلسلة على صفوان تصعق الملائكة ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا أنزل عليه الوحي كسلسلة على صفوان يصعق ، وهو أشد الوحي عليه ، فينزل جبريل على قلبه فيفنى عن عالم الحس ويرغو ويسجى إلى أن يسرى عنه ، وإنه لينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيتفصد جبينه عرقا ، وموسى صلّى اللّه عليه وسلم كلمه اللّه تكليما بارتفاع الوسائط ، وما صعق ولا زال عن حسه ، وقال وقيل له ، وهذا المقام أعظم من مقام الوحي بوساطة الملك ، فهذا الملك يصعق عند الكلام ، وهذا أكرم البشر يصعق عند نزول الروح بالوحي ، وهذا موسى لم يصعق ولا جرى عليه شيء مع ارتفاع الوسائط ، وصعق لذلك الجبل ؟ اعلم أن موسى لما جاءه النداء بأمر مناسب لم ينكره وثبت ، فلما علم أن المنادي ربه وقد صح له الثبوت ، وجاء النداء من خارج لا من نفسه ثبت ليوفي الأدب حقه في