تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
الأمور ، كما ورد أن آخر دعواهم
( أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ )
وقوله صلّى اللّه عليه وسلم في الحمد : إنّها تملأ الميزان ، أي هي آخر ما يجعل في الميزان ، وذلك لأن التحميد يأتي عقيب الأمور ، ففي السراء يقال : الحمد للّه المنعم المفضل ، وفي الضراء يقال : الحمد للّه على كل حال ؛ والحمد هو الثناء على اللّه ، وهو على قسمين ، ثناء عليه بما هو له ، كالتسبيح والتكبير والتهليل ، وثناء عليه بما يكون منه ، وهو الشكر على ما أسبغ من الآلاء والنعم ، وله العواقب فإن مرجع الحمد ليس إلا إلى اللّه ، فإنه المثني على العبد والمثنى عليه ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : [ أنت كما أثنيت على نفسك ] وهو الذي أثنى به العبد عليه ، فرد الثناء له من كونه مثنيا اسم فاعل ، ومن كونه مثنيا عليه اسم مفعول ، فعاقبة الحمد في الأمرين له تعالى . وتقسيم آخر ، وهو أن الحمد يرد من اللّه مطلقا ومقيدا في اللفظ ، وإن كان مقيدا بالحال ، فإنه لا يصح في الوجود إطلاق فيه ، لأنه لا بد من باعث على الحمد ، وذلك الباعث هو الذي قيده وإن لم يتقيد لفظا ،

[ « قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ »

] كأمره في قوله تعالى :
« قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ »
فلم يقيد ، وأما المقيد فلا بد أن يكون مقيدا بصفة فعل ، كقوله ( الحمد للّه الذي خلق السماوات والأرض ) وكقوله
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ )
( والحمد للّه فاطر السماوات ) وقد يكون مقيدا بصفة تنزيه ، كقوله
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً )
. واعلم أن الحمد لما كان يعطي المزيد للحامد ، علمنا أن الحمد بكل وجه شكر ، كذلك ما أعطى المزيد من الأذكار فهو شكر ، فهو حمد كله ، لأنه ثناء على اللّه ، ولا نحمده إلا بما أعلمنا أن نحمده به ، فحمده مبناه على التوقيف ، وقد خالفنا في ذلك جماعة من علماء الرسوم ، لا من العلماء الإلهيين ، فإن التلفظ بالحمد على جهة القربة لا يصح إلا من جهة الشرع ، فلا يتمكن أن يقال على جهة القربة وإن عقل أنه خير إلا حتى يقول الحق اذكروني ، فإما أن يطلق بكل ذكر ينسب إليه الحسن في العرف ، وهو من مكارم الأخلاق ، وإما أن يقيده فيعين ذكرا خاصا فالثناء على اللّه بما هو فاعل ثناء عرفي يثني به المخلوق على الخالق ، ما لم ينه عنه إذا كان ذلك الثناء مما يعظم في العالم ، فقد يكون من حيث ما هو فاعل وليس بعظيم في العالم ، فإذا ذكر بما هذا مثله نكر ، ومثاله أن يقول : الحمد للّه خالق كل شيء ، فيدخل فيه كل مخلوق معظّم ومحقّر ، ومثال المعظم في العرف أن تقول : الحمد للّه الذي خلق السماوات ، ومثل ذلك ، ولا ينبغي أن يعين في الثناء خلق المحقر عرفا ، والمستقذر طبعا ، وإن دخل في عموم كل