تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وحديثهما مشهور عندهم بالحجاز ، فلما سمع هذه الآية ارتعدت فرائصه ، واصفر لونه ، وضرط من شدة ما سمع ومعرفته بذلك ، وقال : هذا كلام جبار ؛ فما زادهم نفورا إلا اقتران التكليف بالاسم الرحمن لجهلهم به ، ولو علم هذا الجاهل أن أمره تعالى بالسجود للرحمن لا يناقض التكليف ، وإنما يناقض المؤاخذة ويزيد في الجزاء بالحسنى لبادر إلى ذلك ، كما بادر المؤمن ، كما أن الكفار ما علموا في الغيب إلا إلها واحدا ، قال اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم
( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى )
فتعجبوا من ذلك غاية العجب ، لأنهم تخيلوا أن مسمى الرحمن ليس هو اللّه ، وأن لكل واحد الأسماء الحسنى ، وذلك لمّا أعمى اللّه بصائرهم ، وكثّف أغطيتهم ، فلم يعقلوا عن اللّه ما أراد بما أنزله - وهذه السجدة للمؤمن تسمى سجدة الامتياز فإنه يسجدها عندما يتلو ليمتاز عن الكافر المنكر لاسمه الرحمن ، ويقع الامتياز بين الاسم الرحمن وبين العارفين به يوم القيامة بالسجود الذي كان منهم عند التلاوة .

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 61 إلى 63 ]

تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ( 61 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ( 62 ) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 )

[ عباد الرحمن ]

اعلم أن للّه عبادا من حيث اسمه الرحمن ، وهو قوله تعالى
« وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً »
وذلك من أثر الوقار ، الذي هو من الوقر ، وهو الثقل ، وإذا حصل الثقل ضعف الإسراع والحركة ، فسمى ذلك السكون وقارا أي سكون عن ثقل عارض لا عن مزاج طبيعي ، فإن السكون الكائن عن الأمر الذي يورث الهيبة والعظمة في نفس الشخص يسمى وقارا وسكينة ، والسكون الطبيعي الذي يكون في الإنسان من مزاجه لغلبة البرد والرطوبة على الحرارة واليبس لا يسمى وقارا ، إنما الوقار نتيجة التعظيم والعظمة ، وهذا لا يكون إلا إذا تجلى لهم الحق في جلال الجمال
« وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ »
الجاهل من أشرك باللّه ، خفيا كان الشرك أو جليا
« قالُوا سَلاماً »
فلو أجابوهم لانتظموا معهم في سلك الجهالة ، فإن كل إنسان ما يكلم إنسانا بأمر ما من الأمور ابتداء أو مجيبا ، حتى ينصبغ