[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 60 ]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً ( 60 )
لما كان المشركون لا يعلمون للحق إلا مسمى اللّه ، ولم يعلموا أنه عين الرحمن قيل :
إن الاسم الرحمن لم يكن عندهم ، ولا سمعوا به قبل هذا ، فلما قال لهم صلّى اللّه عليه وسلم
« اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ »
وهو سجود إنعام لا سجود قهر ، قالوا : وما الرحمن ؟ على طريق الاستفهام ، وقد قيل : إنهم كانوا يعرفونه مركبا الرحمن الرحيم اسم واحد ، كبعلبك ورام هرمز ، فلما أفرده بغير نسب أنكروه ، ولم تنكر العرب كلمة اللّه ، فإنهم القائلون
( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى )
فعلموه ، ولما كان الرحمن يعطي الاشتقاق من الرحمة ، وهي صفة موجودة فيهم ، خافوا أن يكون المعبود الذي يدلهم عليه من جنسهم ، فأنكروا وقالوا :
وما الرحمن ؟ لما لم يكن من شرط كل كلام أن يفهم معناه ، ولهذا قال تعالى
( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ )
لما كان اللفظان راجعين إلى ذات واحدة ، فما أنكره من أنكره - أعني الاسم الرحمن - إلا للقرب المفرط ، فإنه لا أقرب من الرحمة إلى الخلق ، وما ثمّ أقرب إليهم من وجودهم ، ووجودهم رحمة بلا شك ، ولم يقروا باللّه إلا لما يتضمنه هذا الاسم من الرحمة والقهر ، فعلم ، وجهل الرحمن ، فتخيلوا في الرحمن أنه شريك للّه الذي يقرون به ويتزلفون إليه ، فأنكروا ذلك ولم ينكروا ذلك فيمن نصبوه إلها ، لأنهم عالمون بأسماء من نصبوهم آلهة من دون اللّه ، فعلموا بأسمائهم أنهم ليسوا في الحقيقة في الألوهة مثله ، وقد دلهم صلّى اللّه عليه وسلم بالسجود للرحمن على عبادة غيب ، فقالوا
« وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً »
فزادهم هذا الاسم نفورا لجهلهم به ، فإنهم لا يعرفون إلا اللّه الذي بيده الاقتدار الإلهي والأخذ الشديد ، وهو الكبير عندهم المتعالي ، فهم لذلك يعبدون الشركاء ليقربوهم إلى اللّه زلفى ويشفعوا عنده ، وأخطأ الكفار حيث رأوا أن الرحمن يناقض التكليف ، ورأوا أن الأمر بالسجود تكليف ، فلا ينبغي أن يكون السجود لمن هو هذا الاسم الرحمن ، لما فيه من المبالغة في الرحمة ، فلو ذكره بالاسم الذي يقتضي القهر ، ربما سارع الكافر إلى السجود خوفا ، كما صدر من الجبار عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من رؤساء الجاهلية حيث قال له : يا محمد أتل عليّ ممّا جئت به حتى أسمع ؛ فتلا عليه ( حم السجدة ) فلما وصل إلى قوله تعالى
( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ )
وهما من العرب ،