تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠

[ المعرفة تتعلق بأمرين من كل معروف ]

المعرفة تتعلق بأمرين من كل معروف ، الأمر الواحد الحق والآخر الحقيقة ، فالحق من مدارك العقول من جهة الدليل ، والحقيقة من مدارك الكشف والمشاهدة ، وليس ثم مدرك ثالث البتة ، فلهذا قال حارثة أنا مؤمن حقا ، فأتى بالمدرك الأول فكان عنده مؤيدا بالمدرك الثاني ، ولكن سكت فقال له النبي عليه السلام فما حقيقة إيمانك ، يرى إن كان عنده المدرك الثاني ، فأجابه بالاستشراف والاطلاع والكشف ، فقال له النبي عليه السلام عرفت فالزم ، فلا تصح المعرفة للشيء على الكمال إلا بهاتين الحقيقتين الحق والحقيقة ، فإذا أخبر اللّه تعالى بأنا عاجزون عن إدراك حق قدره ، فكيف لنا بحقيقة قدره ، وليس القدر هنا إلا المعرفة بما يقتضيه مقام الألوهية من التعظيم ، ونحن قد عجزنا عنه فأحرى أن نعجز عن معرفة ذاته جلت وتعالت علوا كبيرا ، فلما عاين المحققون هذا الإجلال وقطعوا أنهم لا يقدرون قدره مع ما تقرر عندهم من التعظيم ، وقدر ما هم بالتقصير ، فعرفوا أنه ليس في وسع المحدثات أن تقدر قدر القديم ، لأن ذلك موقوف على ضرب من المناسبة الحقيقية ، ولا مناسبة في مفاوز الحيرة لهذا الجلال ، وما قدروا اللّه حق قدره فيما كيّف به نفسه مما ذكره في كتابه وعلى لسان رسوله من صفاته ، فالحق ذكر عن نفسه أن العبد يتحرك بحركة يضحك بها ربه ، ويتعجب منها ربه وتبشبش له من أجلها ربه ، ويفرح بها ربه ويرضى بها ربه ويسخط بها ربه ، وهذا حكم أثبته الحق ونفاه دليل العقل ، فعرفنا أن العقل قاصر عما ينبغي للّه عزّ وجل ، وأنه لو ألزم نفسه الإنصاف للزم حكم الإيمان والتلقي ، وجعل النظر والاستدلال في الموضع الذي جعله اللّه ، ولا يعدل به عن طريقه الذي جعله اللّه له ، وهو الطريق الموصل إلى كونه إلها واحدا لا شريك له في ألوهيته ، ولا يتعرض لها لما هو عليه في نفسه ، فالحق قد أخبر عن نفسه أنه يجيب عبده إذا سأله ، ويرضى عنه إذا أرضاه ، ويفرح بتوبة عبده إذا تاب ، فانظر يا عقل لمن تنازع ، فالحق أعلم بنفسه ، فهو الذي نعت نفسه بهذا كله ،