تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ونعلم حقيقة هذا كله بحده وماهيته ، ولكن نجهل النسبة إلى اللّه في ذلك لجهلنا بذاته وقد منعنا وحذرنا وحجر علينا التفكر في ذاته ، وأنت يا عقل بنظرك تريد أن تعلم حقيقة ذات خالقك ، لا تسبح في غير ميدانك ، ولا تتعد في نظرك معرفة المرتبة ، لا تتعرض للذات جملة واحدة ، ومن أراد الدخول على اللّه فليترك عقله ويقدّم بين يديه شرعه ، فإن اللّه لا يقبل التقييد ، والعقل تقييد ، بل له التجلي في كل صورة كما له أن يركبك في أي صورة شاء ، فله سبحانه التحول في الصور ، وما قدروا اللّه حق قدره ، وما ثم حجاب ولا ستر ، فما أخفاه إلا ظهوره ، ولو وقفت النفوس مع ما ظهر لعرفت الأمر على ما هو عليه ، لكن طلبت أمرا غاب عنها فكان طلبها عين حجابها ، فما قدرت ما ظهر حق قدره لشغلها بما تخيلت أنه بطن عنها .

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 75 ]

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 75 )
« اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا »
الملائكة خاصة هي الرسل منهم ، وهم المسلمون ملائكة ، وكل روح لا يعطى رسالة فهو روح لا يقال فيه ملك إلا مجازا ، والرسالة في الملائكة دنيا وآخرة ، لأنهم سفراء الحق لبعضهم وصنفهم ولمن سواهم من البشر في الدنيا والآخرة ،
« وَمِنَ النَّاسِ » *
والرسالة في البشر لا تكون إلا في الدنيا ، وينقطع حكمها في الآخرة ، وكذلك تنقطع في الآخرة بعد دخول الجنة والنار نبوة التشريع ، والرسالة لا يقبلها الرسول إلا بواسطة روح قدسي أمين ينزل بالرسالة على قلبه ، وأحيانا يتمثل له الملك رجلا ، وكل وحي لا يكون بهذه الصفة لا يسمى رسالة بشرية ، وإنما يسمى وحيا أو إلهاما أو نفثا أو إلقاء أو وجودا ، ولا تكون الرسالة إلا كما ذكرنا ، ولا يكون هذا الوصف إلا للرسول البشري ، وما عدا هذا من ضروب الوحي فإنه يكون لغير النبي والرسول ، والفرق بين النبي والرسول أن النبي إذا ألقى إليه الروح ما ذكرناه اقتصر بذلك الحكم على نفسه خاصة ، ويحرم أن يتبع غيره ، فهذا هو النبي فإذا قيل له بلغ ما أنزل إليك إما لطائفة مخصوصة كسائر الأنبياء ، وإما عامة للناس ولم يكن ذلك إلا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يكن لغيره قبله ، فسمي بهذا الوجه رسولا ، والذي جاء به رسالة ، وما اختص به من الحكم في نفسه وحرم على غيره من ذلك الحكم هو نبي مع كونه رسولا ، وأعني بالنبوة هنا نبوة التشريع ، فالرسالة والنبوة
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 181 | ابن عربي / محمود محمود الغراب