تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
فانطبق البحر عليهم فأهلكهم بما أنجى به بني إسرائيل .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 79 ]

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ( 79 )

[ نسبة الأفعال إلى المخلوقين فيها إشكال ]

لما كان نسبة الأفعال إلى المخلوقين فيها إشكال ، قال تعالى
« وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ »
فنسب الإضلال لفرعون ، وما نسبه إلى قومه فإنه عندهم ذو فعل ، ونفس الأمر كذلك ، وقوله
« وَما هَدى »
أي ما بيّن لهم طريق الحق ، فإنه موضع لبس لكونه ذا أفعال ، فلو كان المعبود جمادا ما وقع اللبس ، ومع ذلك لا يعذر قوم فرعون ، فإن خاصية الفعل في المخلوق لا تكون سارية في كل شيء حتى تضاف إليه الأفعال كما تضاف إلى اللّه ، وبهذا القدر من الجهل أخذ عبدة المخلوقين ذوي الأفعال كفرعون وغيره ، وهذه الآية والتي قبلها تكذيب من الحق لفرعون في دعواه القهر لبني إسرائيل ، لما قال ( سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ) .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 80 إلى 81 ]

يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ( 80 ) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ( 81 )
« وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي »
فأضاف الغضب إليه ، وإذا نزل بهم كانوا محلا له ، فهم محل الغضب وهو النازل بهم ، فإن الغضب هنا هو عين الألم ، وجهنم إنما هي مكان لهم ، وهم النازلون فيها
« وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى »
فالغضب الإلهي جعله يهوي ، فإذا هوى وهو السقوط - وهو حكم الغضب لا غير - فيسقط في الرحمة فتسعه وتتلقاه ، فلا يسقط إلا إليها ، وبالرحمة التي في الغضب سقط ، فهي التي جعلت الغضب يهوي به لتستلمه الرحمة الخالصة ، ولهذا كان المآل إلى الرحمة وحكمها وإن لم يخرجوا من النار ، فلهم فيها نعيم ، واللّه على كل شيء قدير ، وهو القائل ( ورحمتي وسعت كل شيء ) والغضب من الأشياء التي وسعته الرحمة ، فما ثمّ غضب خالص غير مشوب برحمة ، والرحمة لا يشوبها غضب .