تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
( لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ )
شقي بها ، كما تعب المكلف فيما سأله من التكليف ، فإبليس مصدّق للّه فيما أخبر به عنه ممتثل أمر اللّه بشبهة في أمره في قوله
( وَعِدْهُمْ )
فأخبر اللّه تعالى عنه
( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ )
فما جاء إبليس إلا بأمر اللّه تعالى ، وهو أمر إلهي يتضمن وعيدا وتهديدا ، ولكن لطف اللّه بإبليس بأن جعل له متعلقا يتعلق به في موطن خاص ، فأدرج الرحمة من حيث لا يشعر بها ، ولو شعر إبليس بهذا الاستدراج الرحماني ، ما طلب الرحمة من عين المنة ، ولكن حجبته قرائن الأحوال عن اعتبار صفة الأمر الإلهي ، وكان ابتلاء شديدا في حقنا ، ليريه تعالى أن في ذرية آدم من ليس لإبليس عليه سلطان ولا قوة فقال تعالى .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 65 ]

إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ( 65 )

[ الحفظ للأولياء والعصمة للأنبياء ]

كلّما قربت أحوالك من أحوال الأنبياء أي باتباع الرسول والجري على سنته ، كنت في العبودة أمكن ، وكانت لك الحجة ، ولم يكن للشيطان عليك سلطان ، كما قال تعالى :
« إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ »
وقال
( يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً )
فلا أثر للشيطان فيهم ، فإن السجدة القلبية إذا حصلت للإنسان حالة مشاهدة عين فقل كمل وكملت معرفته وعصمته فلم يكن للشيطان عليه سبيل ، وتسمى هذه العصمة في حق الولي حفظا كما تسمى في حق النبي والرسول عصمة ، ليقع الفرق بين الولي والنبي ، فالأنبياء محفوظون ظاهرا وباطنا ، والولي محفوظ من الأمر الذي يقصد الشيطان عند إلقائه في قلب الولي ما شاء اللّه أن يلقي إليه ، فيقلب عينه بصرفه إلى الوجه الذي يرضي اللّه ، فيحصل بذلك على منزلة عظيمة عند اللّه ، ولولا حرص إبليس على المعصية ما عاد إلى هذا الولي مرة أخرى ، فإنه يرى ما جاءه به ليبعده بذلك من اللّه يزيده قربا وسعادة ، والأنبياء معصومون أن يلقي الشيطان إليهم ، فلهم العصمة من الشيطان ظاهرا وباطنا ، وهم المحفوظون من اللّه في جميع حركاتهم ، وذلك لأنهم قد نصبهم اللّه للناس ، ولهم المناجاة الإلهية ، فالأنبياء المرسلون معصومون من المباح أن يفعلوه من أجل نفوسهم ، لأنهم يشرعون بأفعالهم وأقوالهم ، فإذا فعلوا مباحا يأتونه للتشريع ليقتدى بهم ، ويعرفون الأتباع عين الحكم الإلهي فيه ، فهو واجب عليهم ليبينوا للناس ما أنزل إليهم . فهذا الفرق بين العصمة والحفظ ، وإنما جعلوا الحفظ للولي أيضا أدبا مع النبي ، فإن الشيطان ما له سبيل على قلوب بعض الأولياء من