تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
ولو كان السجود بعد ظهوره بالعلم ما أبى إبليس ولا قال
( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) *
ولا استكبر عليه ، ولهذا قال
« أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً »
وقال
( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) *
ثم بعد ذلك أعلم اللّه الملائكة بخلافته فقالوا ما أخبر اللّه عنهم ، ولهذا قال تعالى في بعض ما كرره من قصته
« وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ » *
فأتى بالماضي من الأفعال ، وبأداة إذ وهي لما مضى من الزمان ، فاجعل بالك لهذه المسألة ، لتعلم فضل آدم بعلمه على فضله بالسجود له لمجرد ذاته ، ولما ذا نهي في الشرع أن يسجد إنسان لإنسان ، فإنه سجود الشيء لنفسه ، فإنه مثله من جميع وجوهه ، والشيء لا يخضع لنفسه ، ولهذا لما سئل صلّى اللّه عليه وسلم في الرجل إذا لقي الرجل أينحني له ؟ قال : لا ، قيل له : أيصافحه ؟ قال : نعم .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 62 ]

قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ( 62 ) فقال تعالى من كرمه لإبليس وعموم رحمته .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 63 ]

قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 ) ومن الأمر اللطيف الذي تجعله قرائن الأحوال وعيدا وتهديدا ، والظاهر تعلق بالحكم ، لاستواء الرحمن على العرش ، واتساع الرحمة وعمومها حيث لم تبق شيئا إلا حكمت عليه ، ومن حكمها كان قوله تعالى .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 64 ]

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 64 ) لما كان للجن - شياطينهم وغير شياطينهم - الإغواء ، أمرهم اللّه من خلف حجاب البعد بالاستفزاز والمشاركة في الأموال والأولاد ، ابتلاء لهم وامتحانا ، فيقول الشيطان للإنسان اكفر ، فإذا كفر يقول الشيطان
( إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ )
ولو أن هذه الآية وأمثالها فيما يختص بإبليس أوامر إلهية ، فإنها لم تكن ابتداء من اللّه ، فلو كانت ابتداء ما شقي إبليس ، ولكن لما كانت إجابة لإبليس لما قال
( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ )