« وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ »
ما سميت الساعة ساعة إلا لأنها تسعى إلينا بقطع هذه الأزمان لا بقطع المسافات وبقطع الأنفاس ، فمن مات وصلت إليه ساعته ، وقامت قيامته إلى يوم الساعة الكبرى ، التي هي لساعات الأنفاس كالسنة لمجموع الأيام التي تعينها الفصول باختلاف أيامها ، فأمر الساعة وشأنها في العالم أقرب من لمح البصر ، فإن عين وصولها عين حكمها ، وعين حكمها عين نفوذ الحكم في المحكوم عليهم ، وعين نفاذه عين تمامه ، وعين تمامه عين عمارة الدارين ، ففريق في الجنة وفريق في السعير ، ولا يعرف هذا القرب إلا من عرف قدرة اللّه في وجود الخيال في العالم الطبيعي ، وما يجده العالم به من الأمور الواسعة في النفس الفرد والطرفة ، ثم يرى أثر ذلك في الحس بعين الخيال ، فيعرف هذا القرب وتضاعف السنين في الزمن القليل من زمان الحياة الدنيا ، فشبّه تعالى الإمضاء بلمح البصر أو هو أقرب ، وكذلك هو أقرب ، فإن أمره تعالى في الموقف يوم القيامة وهو المقدار الزماني ، خمسون ألف سنة من أيام الدنيا ، وعدها اليوم الشمسي ، وهو يوم ذي المعارج ، فإن أمر اللّه فيه مثل لمح البصر ، للإفهام والتوصيل ، وربما هو في القلة أقل من هذا المقدار ، بل مقدارها الزمان الفرد المتوهم الذي هو يوم الشأن ، فكما صارت الخمسون ألف سنة كيوم واحد ، وفي يوم واحد ، كذلك صار أمره كلمح بالبصر ، وسبب ذلك أن الذي يصدر منه الأمر لا يتقيد ، فهو في كل مأمور بحيث أمر ، فينفذ الأمر بحكمه دفعة واحدة ، ولمح البصر كالبرق ، يضرب فيظهر ، ويظهر ويزول ، فلو بقي أهلك .