تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 72 إلى 74 ]

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 ) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 74 )

[ فلا تضربوا للّه الأمثال ]

- الوجه الأول - نهينا أن نضرب الأمثال للّه لجهلنا بالنسب التي هي بها أمثال ، فقال تعالى :
« فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ »
فإن اللّه هو الذي يضرب الأمثال للناس لعلمه بمواقعها ، لأن اللّه يعلم ونحن لا نعلم ، فهو عزّ وجل يضرب لنا الأمثال بما له وجود في عينه ، ونحن لسنا كذلك إلا بحكم المصادفة ، فنضرب المثل إذا ضربناه بما له وجود في عينه وبما لا وجود له إلا في تصورنا ، فاللّه يضرب الأمثال لنفسه ولا تضرب له الأمثال ، فيشبه الأشياء ولا تشبهه الأشياء ، فيقال : مثل اللّه في خلقه مثل الملك في ملكه ، ولا يقال مثل الملك في ملكه مثل اللّه في خلقه ، فإنه عين ما ظهر ، وليس ما ظهر هو عينه ، فإنه الباطن كما هو الظاهر في حال ظهوره ، فلهذا قلنا : هو مثل الأشياء وليست الأشياء مثله ، إذ كان عينها وليست عينه ، فإن الممكن ما استفاد الوجود وإنما استفاد حكم المظهرية ، وهو قوله تعالى للشيء : كن فيكون ، فقبوله للتكوين هو أن يكون مظهرا للحق ، فالحق عين كل شيء في الظهور ما هو عين الأشياء في ذواتها ، سبحانه وتعالى ، بل هو هو والأشياء أشياء ، ففي نفس الأمر ليس إلا وجود الحق ، والموصوف باستفادة الوجود هو على أصله ما انتقل من إمكانه ، فحكمه باق وعينه ثابتة ، واعلم أن ما يشرك به الشيء من ليس مثله فهو مثله من ذلك الوجه الذي أشركه فيه خاصة ، وينفصل عنه بأمور أخر له فيها أمثال ، فما ثمّ معلوم ما له مثل جملة واحدة ، فما ثمّ إلا أمثال وأشباه ، ولذلك ضرب اللّه الأمثال ونهى عن ضربنا الأمثال له ، وعلل فقال :
« إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
فمن علّمه الحق ضرب الأمثال ضربها على علم ، فلا يضرب الأمثال إلا العلماء باللّه الذين تولى اللّه تعليمهم ، وليس إلا الأنبياء والأولياء ، وهو مقام وراء طور العقل ، يريد أنه لا يستقل العقل بإدراكه من حيث ما هو مفكر ، فإن الذي عند العقل من العلم باللّه من حيث فكره علم التنزيه ، وضرب الأمثال تشبيه ، وموضع التشبيه من ضرب المثل دقيق لا يعرفه إلا من عرف المشبه والمشبّه
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 496 | ابن عربي / محمود محمود الغراب