تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
به ، والمشبه به غير معروف ، فالأمر الذي يتحقق منه ضرب المثل له مجهول ، فالنظر فيه من حيث الفكر حرام على كل مؤمن ، وهو في نفس الأمر ممنوع الوصول إليه عند كل ذي عقل سليم ، ولذلك قال اللّه تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
فضرب اللّه تعالى لنفسه الأمثال لأنه يعلم ونحن لا نعلم ، فإن اللّه يعلم كيف يضربها وأنتم لا تعلمون ، فناط بهم الجهل بالمواطن ، فيشهد الولي ما ضرب اللّه من الأمثال فيرى في ذلك الشهود عين الجامع الذي بين المثل وبين ما ضرب له ذلك المثل ، فهو عينه من حيث ذلك الجامع ، وما هو عينه من حيث ما هو مثل ، فالولي لا يضرب للّه الأمثال بل هو يعرف ما ضرب اللّه له الأمثال - الوجه الثاني -
« فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
قال اللّه تعالى
( اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ )
أي صفة نوره ، يعني المضاف إلى السماوات والأرض ،
( كَمِشْكاةٍ )
إلى أن ذكر المصباح ومادته ، فقال
( اللَّهُ )
وما ضرب المثل للاسم اللّه ، وإنما عيّن سبحانه اسما آخر وهو
( نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
فضرب المثل بالمصباح لذلك الاسم النور المضاف ، فإن اللّه اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية ، محيط بمعانيها كلها ، وضرب الأمثال يخص اسما واحدا معينا ، فإن ضربنا الأمثال للّه وهو اسم جامع شامل فما طبقنا المثال على الممثل ، فإن المثال خاص والممثل به مطلق ، فوقع الجهل بلا شك ، فنهينا أن نضرب المثل من هذا الوجه إلا أن نعين اسما خاصا ينطبق المثل عليه ، فحينئذ يصح ضرب المثل لذلك الاسم الخاص ، كما فعل اللّه في قوله تعالى
( اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
فهمنا اللّه وإياكم مواقع خطابه ، وجعلنا ممن تأدب بما عرفناه من آدابه ، إنه اللطيف بأحبابه ، فإنه قال
« فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ »
فإني ما ضربتها ، فافهموا
« إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
فعلمنا سبحانه الأدب في النظر في أسمائه إذا أطلقناها عليه بالإضافة كيف نفعل ، وإذا أطلقناها عليه بغير الإضافة كيف نفعل ، فالعالم يقطع عمره في نظر ما ضرب اللّه له من الأمثال ولا يستنبط مثلا من نفسه ، ولا سيما للّه ، وما أظن يفي عمر الإنسان بتحصيل ما ضرب اللّه له من الأمثال التي هي من عالم الخيال الذي انفرد الحق بعلمه في قوله
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
.

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 75 إلى 77 ]

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 77 )