لما خلق اللّه تعالى كل شيء حيا ناطقا ، جمادا كان أو نباتا أو حيوانا ، في العالم الأعلى والأسفل ، مصداق ذلك قوله تعالى :
( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )
جاز بل وقع وصح أن يخاطب الحق جميع الموجودات ويوحي إليها فقال :
« وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ »
[ الشكل السداسي في بيوت النحل ]
الستة أكمل الأعداد ، وليس في الأشكال شكل فيه زوايا إذا انضمت إليها الأمثال لم يكن بينها خلو إلا الستة ، وبها أوحى اللّه إلى النحل في قوله في هذه الآية
« وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ »
فأوحى إليها بصفة عملها ، فعملت بيوتها مسدسة الشكل ، وهو أكمل الأشكال لأنه لا يدخله خلاء ويقارب الاستدارة مع ظهور الزوايا ، فهو لا يقبل الخلل مع الكثرة فيظهر الخلو ، والمستدير ليس كذلك ، وإن أشبه غيره في عدم قبول الخلل كالمربع ، فإنه يبعد عن المستدير ، ووصف الشكل المستدير بالكمال لأنه يظهر عن نصفه وثلثه وسدسه فيقوم من عين أجزائه ، فلو لا ما فهمت النحل من اللّه وحيه لما صدر منها ما صدر ، وهذا من النبوة سارية في الحيوان والنبات والجماد قال تعالى :
( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ )
فالنبوة سارية في كل موجود ، لكنه لا ينطلق من ذلك اسم نبي ولا رسول على واحد منهم إلا على الملائكة خاصة والرسل منهم وهم المسمون الملائكة ، وقد يكون ذلك علما ضروريا في أصل الخلقة ، فيريد اللّه بذلك أنه فطرها في أصل نشأتها على ذلك .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 69 ]
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 )
« فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ »
وهو ما شرع اللّه لها من السبل أن تسلكها
« ذُلُلًا »
فتدل هذه الآية على أن لكل شيء من المخلوقات كلاما يخصه يعلمه اللّه ، ويسمعه من فتح اللّه سمعه لإدراكه
« يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ »
فعمّر النحل بيته بالعسل ، وما ذكر اللّه مضرة العسل وأن بعض الأمزجة يضره استعماله ، ولكن ما تعرض لذلك ،