تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
اعلم أنه ليس في الوجود فاعل إلا اللّه تعالى ، وأفعال العباد بجملتها عند أهل السنة والجماعة منسوبة الوجود والاختراع إلى اللّه تعالى ، بلا شريك ولا معين ، فهي على الحقيقة فعله وله بها عليهم الحجة ، لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون . ومن المعلوم أن أفعال العباد لا بد فيها من توسط الآلات والجوارح ، مع أنها منسوبة إليه ، وبذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياته لعباده مظهرين : مظهر عبادي سفلي منسوب لعباده ، وهو الصور والجوارح الجسمانية ، ومظهر حقيقي علوي منسوب إليه ، وقد أجرى عليه أسماء المظاهر المنسوبة لعباده على سبيل التقريب لأفهامهم ، والتأنيس لقلوبهم ، ونبه تعالى في كتابه العزيز على التنبيهين ، وأنه منزه عن الجوارح في الحالين ، ونبه على الأول بقوله :
« قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ »
وذلك يفهم أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه وفعل له ، وأن جوارحنا مظهر له وواسطة فيه ، فهو على الحقيقة الفاعل بجوارحنا ، مع القطع الضروري لكل عاقل أن جوارح العبد ليست بجوارح لربنا تعالى ولا صفات له ، ونبه على الثاني بقوله تعالى فيما أخبر عنه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره « ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » - الحديث - وقد حقق اللّه تعالى لنبينا صلّى اللّه عليه وسلم ذلك بقوله تعالى :
( أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ )
بعد قوله :
( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها )
وبقوله تعالى :
( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ )
فنزل يد نبيه منزلة يده في المبايعة ، وأخذ الصدقات ، والرمي في قوله تعالى :
( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى )
، ذلك كله يفهم أن العبد إذا صار