النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال اللّه : إن ذلك كلامي وأضافه إلى نفسه ، ومن وجه آخر كان الحجاب للأعرابي على كلام اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم . واعلم أن من المتشابه صفة الكلام ، ومنه نسبة الصوت والحرف إلى كلام اللّه سبحانه ، وقد وردت آيات وأحاديث توهم ذلك ، وهي مسألة مهمة بعيدة الغور تزلزلت فيها أقدام المتكلمين ، ومذهب أهل الحق أن للّه تعالى كلاما قديما قائما بذاته واحدا في حقيقته ، مخالفا لصفة علمه وإرادته ، منزها عن الظروف المرتبة والأصوات المحدثة ، منزلا على نبيه مقروءا بالألسنة مكتوبا في المصاحف ، مسموعا لموسى صلّى اللّه عليه وسلم حقيقة ، ولمن يريد اللّه تعالى إسماعه ، غير مخلوق في الشجرة ، ولا قائم بالحوادث . وكلام اللّه سبحانه صفته ، وصفة القديم قديمة تتقدس عن الحدوث ، والحروف في إفادة الكلام يلزمها الترتيب وتقدم بعضها على بعض ، وذلك مستحيل على القديم ، ولما كان الحق تعالى لصفاته مظهران علم أن لكلامه مظهرين ، مظهر علوي روحاني ، وهو روح القدس ، وكلمة العلي ، والحروف والأصوات من لوازم المظهرين ، وكلامه منزه عنها كتنزه القلب في كلامه عن الحروف اللسانية والأصوات الهوائية وإن كانت مظاهر له ، فقوله تعالى :
( فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ )
أي بواسطة مظاهره الجسمانية ، وهي أصوات العباد وحروفهم ، وإطلاق كونه سامعا لكلام اللّه بذلك مجاز لما قدمناه أن المظاهر الجسمانية ليست منسوبة إلى اللّه تعالى لغة ، ولا شرعا ، وروي عن عائشة رضي اللّه عنها في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما ، أن الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كيف يأتيك الوحي ؟ قال : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ، قال : وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول . وهذا يحقق لك أن لكلام اللّه تعالى في الروحانيات مظهرين ، مظهر جلي يتشكل بالمظاهر الجسمانية وأصواتها وحروفها ، ومظهر آخر له حروف وأصوات خفي روحاني ، لأن الجرس في أصله هو الصوت الخفي ، والصلصلة صوت اليابس الصلب إذا حرك ، ويصح نسبة المسموع حينئذ إلى اللّه تعالى بالتأويل الذي ذكرته لك ، وإفادة الشجرة لإسماع كلام اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام ، كإفادة ألسنة القراء ، وكلاهما في ذلك بمثابة القلم في إفادة المكتوب ، وكما أن المكتوب لا يحل بالقلم ، ولا يكون صفة له ، ولا ينتقل به عمن هو صفته ، كذلك الكلام المسموع لا يحل بالألسنة ولا بالمصاحف ولا بالأقلام ، ولا يكون صفة للقارئ ولا ينتقل بالقراءة