تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وبما جاء من عند اللّه على لسان رسول اللّه ، هذا في هذه الأمة التي عمت دعوة رسولها ، وأما في النبوة الأولى ممن كان في فترة من الرسل ، فإنه يرزق ويحبب إليه الشغل بطلب الرزق أو بالصنائع العملية أو الاشتغال بالعلوم الرياضية من حساب وهندسة وهيئة وطب وشبه ذلك ، من كل علم لا يتعلق بالإله ، فإن كان مصطفى ويكون نبيا في زمان النبوة في علم اللّه ، فيأتيه الوحي وهو طاهر القلب من التقييد بإله محصور في إحاطة عقله ، وإن لم يكن نبيا وجاء رسول إلى أمة هو منها قبل ما جاءه به نبيه ، ذلك لسذاجة محله ، ثم عمل على إيمانه واتقى ربه رزقه اللّه عند ذلك فرقانا في قلبه وليس لغيره ذلك ، هكذا أجرى اللّه عادته في خلقه ، وإن سعد صاحب النظر العقلي فإنه لا يكون أبدا في مرتبة الساذج الذي لم يكن عنده علم باللّه إلا من حيث إيمانه وتقواه ، وهذا هو وارث الأنبياء في هذه الصفة ، فهو معهم وفي درجتهم هذه ، وهذا الفرقان الذي تعطيه التقوى ، لا بد أن يكون فرقانا خاصا ، وليس سوى الفرقان الذي يكون في عين القرآن ، فإن القرآن يتضمن الفرقان بذاته ، وهذا الفرقان نتيجة العامل بالقرآن العظيم ، وتختلف نتائج القرآن باختلاف نعوته ، فالقرآن المطلق يعطي ما لا يعطيه القرآن المقيد ، وقد قيد اللّه قرآنه بالعظمة والمجد والكريم ، وإنما نسب الجعل إلى هذا الفرقان
« يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً »
لأن التقوى أنتجته ، فإما أن يكون جعله ظهوره لمن اتقاه مع كونه لم يزل موجود العين قبل ظهوره ، أو يكون جعله خلقه فيه بعد أن لم يكن ، وما هو إلا الظهور دون الخلق ، فإنه أعقبه بقوله :
« وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ »
أي يستر ، والستر ضد الظهور ، فلا يخلو العبد في تقواه ربه ، أن يجعل نفسه وقاية له عن كل مذموم ، وينسب إليه ، أو يجعل ربه وقاية عن كل شدة لا يطيق حملها إلا به ، وهو لا حول ولا قوة إلا باللّه ، وهو قوله :
( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
فيتلقى به شدائد الأمور ، ومن وجه آخر
« وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ »
أي يستر عنكم ما يسوءكم فلا ينالكم ألم من مشاهدته ، فإن رؤية السوء إذا رآه من يمكن أن يكون محلا له - وإن لم يحل به - فإنه تسوءه رؤيته ، وذلك لحكم الوهم الذي عنده والإمكان العقلي
« وَيَغْفِرْ لَكُمْ »
أي ويستر من أجلكم ممن لكم به عناية في دعاء عام أو خاص معين ، فالدعاء الخاص ما تعين به شخصا بعينه أو نوعا بعينه ، والعام ما ترسله مطلقا على عباد اللّه ممن يمكن أن يحل بهم سوء
« وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ »
بما أوجب على نفسه من الرحمة وبما امتن به منها على من استحق العذاب كالعصاة