تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
كذلك ، فإنها دار تمييز ، فلا تصيب العقوبة إلا أهلها ، وأما في الدنيا فما هي في البريء عقوبة ، وإنما هي فتنة ، وفي الظالم عقوبة لأنها جاءت عقيب ظلمه ، فكن في كل حال ذاتية حميدة مع اللّه يرضاها اللّه منك ، وعلى عمل صالح ، ولا سيما إذا كثر الفساد في العامة ، فما تدري لعل اللّه يرسل عليهم عذابا فيعم الصالح والطالح ، فتكون ممن يحشر على عمل خير كما قبضت عليه ، فإن الأنبياء مع طاعتهم للّه والحضور معه لا يأمنون أن يصيب اللّه عامة عباده بشيء فيعم الصالح والطالح ، ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كثيرا ما يقول في دعائه : أعوذ باللّه من أن أغتال من تحتي .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 26 إلى 27 ]

وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 )

[ « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ »

] ما أيّه اللّه في هذه الخيانات إلا بالمؤمنين ، فإن كنت مؤمنا فأنت المخاطب
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ »
وأما خيانة اللّه ، فاعلم أن اللّه قد أعطاك أمانة لتردها إليه ، كما أعطاك أمانة لتوصلها إلى غيرك لا تردها إليه ، كالرسالة ، فإن اللّه يقول :
( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ )
وقال :
( ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ )
وأما ما يرد إليه عزّ وجل من الأمانات ، فهو كل علم آمنك عليه من العلوم التي إذا ظهرت بها في العموم ضلّ به من لا يسمعه منك بسمع الحق ، فإذا حصل لك مثل هذا العلم ورأيت من كان الحق سمعه وبصره وجميع قواه ، وليس له هذا العلم ، فأده إليه ، فإنه ما يسمعه منك إلا بسمع الحق ، فالحق على الحقيقة هو الذي سمع ، فرددت الأمانة إليه تعالى ، وهو الذي أعطاكها ، وحصلت لهذا الشخص الذي الحق سمعه فائدة لم يكن يعلمها ، ولكن حامل هذه الأمانة إن لم يكن عالما بأن هذا ممن يكون صفته أن يكون الحق سمعه ، وإلا فهو ممن خان اللّه ، وقد نهاه اللّه أن يخون اللّه ، وكذلك من خيانة اللّه التعدي في حد من حدود اللّه ، مع العلم بأنه متعد فيه ، فقد خان اللّه في تصرفه باعتقاده التعدي
( وَمَنْ يَتَعَدَّ
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 224 | ابن عربي / محمود محمود الغراب