تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ]

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) الصواعق هواء محترق ، والبروق هواء مشتعل تحدثه الحركة الشديدة ، والرعود هو هبوب الهواء تصدع أسفل السحاب إذا تراكم
« وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ »
وهي إحاطة عامة ، فهي الأخذ الكلي من غير تقييد بجهة خاصة ، لكن هو أخذ بتقييد صفة وهو الكفر .
هامش
لا ينظرون في الأشياء نظر اعتبار ، كما قال( وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ )وقال تعالى( إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ) ،ثم قال« فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ »إلى طريق الهدى ، لأن اللّه ختم على قلوبهم وسمعهم وعلى أبصارهم ، قوله ( 20 )« أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ »أتى بأو للتشكيك اتساعا ، فعدلوا بها عن الشك ، والأولى أن لا يعلل كلام العرب مثل هذا ، بل يقال : ترد في اللسان للشك ، وترد للتخيير ، وكلاهما لغة ، تقول جالس فلانا أو فلانا ، فمعناه انظر في هذا المثل إن شئت ، أو في هذا المثل إن شئت ، أو فيهما ، فالمشبّه الكتاب المذكور في أول السورة الذي أنزل إليه صلّى اللّه عليه وسلم ، والمشبّه به الصيّب ، الذي هو المطر المنحدر من السماء ، وهو السحاب هنا ، نزل به الروح الأمين على قلب محمد ، وشبّه القرآن في حياة القلوب به للمؤمنين بالمطر الذي به حياة الأرض ، ثم قال« فِيهِ »يعود الضمير على السماء وهو السحاب« ظُلُماتٍ »شبه بها ما يحوي عليه القرآن من الأخبار التي أخبر الحق بها عن الكفار من قولهم( إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ )و( نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ )و( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) *و( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ )فهذه الأقوال ظلمات القرآن« وَرَعْدٌ »ما فيه من الآيات الزواجر« وَبَرْقٌ »ما فيه من الآيات الدالة على التوحيد والتنزيه ، والذي وقع التشبيه بها هنا واللّه أعلم في البرق إنما هي آيات مكارم الأخلاق وصنائع المعروف التي هي محبوبة لكل نفس ، ولذا قال تعالى( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ )والكافر لا تضيء له آية التوحيد حتى يمشي فيها ، وإنما ذلك آيات الوعد والرغبة ومكارم الأخلاق ، وقوله« يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ »من أجل سماع الآيات الزواجر ، جمع صاعقة أي سماع هذه الآيات يجعلهم يصعقون ويخافون الصعق لئلا يكون فيه موتهم ، أي تنصدع قلوبهم بما سمعوه ، كما اتفق لبعض زعماء المشركين وذلك أنه لما سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم يتلو ( فإن أعرضوا فقد أنذرتكم
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 74 | ابن عربي / محمود محمود الغراب