تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 16 ]

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 )
« أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى » :
أي باعوا الهدى بالضلالة ، واشتروا الحيرة بالبيان فخسروا .
« فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ »
المؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة والبيع فيما يملك بيعه ، قال تعالى :
( لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ )
وقال تعالى :
( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )
وقال تعالى :
( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ )
وما صرح اللّه في المؤمن بأنه يشتري خاصة ، وما وصف الشراء في القرآن إلا من أشهدهم اللّه عن جناية فقال :
« أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى »
والسبب في أن المؤمن ما وصفه اللّه بالشراء فإنه خلقه اللّه ، وملكه جميع ما خلق اللّه في أرضه الذي هو مسكنه ومحله
( خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً )
فجميع ما في الأرض ملكه فما بقي له ما يشتريه ، وحجر عليه الضلالة وهي صفة عدمية ، فإنها عين الباطل وهو عدم ، ولم يأمرنا اللّه باتباعه فإذا اشترينا الضلالة فقد اخترنا العدم على الوجود ، والباطل على الحق الذي خلقنا له ، فلم يوصف المؤمن بالشراء ، وشرع له البيع فيما أبيح له بيعه ، ومما ملكه اللّه ما هو مباح له ، وما هو واجب عليه أن لا يخرجه ولا يبيعه ، فكأن المؤمن ملك حلة الإباحة ، وحلة الوجوب ، فخلع عن نفسه حلة الإباحة ، ولبس حلة الوجوب ، وكلاهما له ، فسمى خلعه لها بيعا ، وما سمى لباسه للوجوب شراء ، فإنها ملكه ورحله ومتاعه والإنسان لا يشتري ما يملكه ، ولما حجر اللّه الضلالة على خلقه ورجح من
هامش
قوله ( 17 )« أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ »الآية ، أولاء حرف إشارة ، أشار بها إلى كل من تقدم ذكره من منافق وكافر ، وأما إخبار اللّه تعالى عنهم أنهم« اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى »دل على أنه كان عندهم هدى باعوه بهذه الضلالة ، وأن الذين اشتروا منهم الهدى كان عندهم ضلالة ، فالترجمة عن ذلك ، كل مولود يولد على الفطرة ، وأبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، والفطرة التي فطر الناس عليها هي الإقرار منهم للّه بالربوبية عليهم في قوله تعالى( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى )فهذا هو الهدى ،
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 71 | ابن عربي / محمود محمود الغراب