تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
« يا أَيُّهَا »
إذا أيه اللّه بأحد في كتابه فكن أنت ذلك المؤيه به ، فإن أخبر فافهم واعتبر ، فإنه ما أيه بك إلا لما سمعت ، وإن أمرك أو نهاك فامتثل ، وما ثم قسم رابع ، إنما هو خبر أو أمر أو نهي ، وأنزله تعالى في خطابه إياك منزلة الأم في الشفقة ، فتلقّى منه بالقبول ما يورده عليك ، فإنه ما خاطبك إلا لينفعك ، وكن أنت المخاطب في خطاب الحق بسمعك لا بسمع الحق ، فإنه لا يأمر نفسه ولا ينهاها
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ »
أي الأسباب التي وجدتم عندها
« لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ »
ثم قال لمن يرى أنا وجدنا بالأسباب لا عندها .
هامش
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ »نادى الشاردين من عباده الذين تمادوا في إعراضهم عن توحيد خالقهم ، فإن لفظة « يا » في النداء وضعت للبعد ، وكذلك ( أيا ) و ( هيا ) كما أن الهمزة وأي للقرب ، وأي حرف مبهم ، والهاء للتنبيه ، ولا بد من مفسّر يأتي بعد « يا أيها » فكان الناس هنا ، فقال« يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ »أي تذللوا وأطيعوا مصلحكم ومربيكم ، تعريفا بالنعم« الَّذِي خَلَقَكُمْ »أوجدكم« وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ »وخلق من قبلكم ، فذكر الخلق تنبيها لاعتكافهم على عبادة آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، قال تعالى( أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ) ،فلما تمدح بالخلق دل من مضمون الكلام أن لا خالق للأشياء كلها إلا هو ، من أفعال العباد وغيرها ، ولو كانت أفعال العباد خلقا لهم ، لم يكن ذكره للخلق تمدحا خاصا لوقوع الاشتراك ، فتحقق مذهب أهل الحق في أن لا موجد ولا فاعل إلا هو ، وقوله« وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ »أي أنها مخلوقة له أيضا تأكيد لما ذكرناه ، ومن قبلنا كل من تقدمنا في الخلق من مخلوقات اللّه ، من عقول ونفوس وأجسام وجسمانيات ، فإن كثيرا من الناس يضيفون الأفعال بطريق الإيجاد إلى نفوس الأفلاك والعقول ، فبيّن اللّه أن الكل من خلقه ، ثم قال« لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ »لعل كلمة ترج وتوقع ، وكذلك عسى ، وهي من الكرماء واجبة ، واللّه أكرم الأكرمين ، والعامل في هذا الترجي عند الجماعة( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ )وما بعده ، وفيه بعد لغموضه وما يحتاج إليه من التقدير فيه ، والأظهر عندي أن ضرب الأمثال المتقدمة تطلبه بقرائن الأحوال ، ومدلول المعاني وسياق الكلام ، أي ضربنا لكم هذه الأمثال لعلكم تتقون ، أي تحذرون وتخافون ، فيردكم حذركم إلى الحق ، فيطابق معنى التقوى ، ولا يظهر مثل هذا في قوله( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ )ولا سيما ويأتي بعد تتقون ما يناسب الأول ، وهو قوله( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً )إلى