وقيل : قوله :
هُمْ فِيها
راجع إلى مقتضى قوله :
ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ
وهو المسرّة ، تنبيها أن تلك المسرّة دائمة لا كمسرّات الدنيا التي تنقطع ، وإن بقيت أسبابها . فأحوال الدنيا وإن كانت سارة متبرم منها بدوامها « 1 » ، ولهذا قيل : للعافية تمل أكثر مما يملّ البلاء . إن قيل : المقابلة في الاثنين غير صحيحة ، فإن التقابل الصحيح أن يكون المذكور في الثانية عكس المذكور في الأولى ، وليس قوله :
فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
عكسا لقوله :
أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
قيل : مراعاة التقابل على ضربين : تقابل اللفظ ، وتقابل المعنى ، وهو أفضلهما عند أصحاب المعاني ، فالتقابل حاصل من حيث المعنى ، وعدل عن لفظ الخبر في قوله :
أَ كَفَرْتُمْ
وقوله :
فَذُوقُوا الْعَذابَ
إشارة إلى ما يقال لهم « 2 » ،
هامش
( 1 ) الذي عليه المفسرون وأهل اللغة أن الضمير في قولهفيها : يعود على أقرب مذكور وهو ( الرحمة ) ، انظر : جامع البيان ( 7 / 96 ) ، ومعاني القرآن وإعرابه ( 1 / 455 ) ، والكشاف ( 1 / 399 ) ، والمحرر الوجيز ( 3 / 191 ) ، والجامع لأحكام القرآن ( 4 / 169 ) ، والبحر المحيط ( 3 / 27 ، 28 ) ، والدر المصون ( 3 / 344 ، 345 ) . ولم أجد من وجّه الضمير إلى مقتضى قوله :ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ،وكذلك فإن هذا المقتضى مختلف فيه ، كما سبق بيانه من كون هذا الابيضاض على الحقيقة أم على التمثيل .
( 2 ) قال أبو حيان : انظر تفاوت ما بين التقسيمين ، هناك جمع لمن اسودّت وجوههم بين التعنيف بالقول والعذاب ، وهنا جعلهم مستقرين في الرحمة ، فالرحمة ظرف -