تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
ويصعب عليه الفرق بين الصغر والجنون فإنهما ينافيان التكليف وليس اسم المرض متناولا له . . وأبو حنيفة يقول : قوله تعالى :
( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )
لا يمكن أن يراد به شهود جميع الشهر لأنه لا يكون شاهدا لجميع الشهر إلا بعد مضيه كله ، ويستحيل أن يكون مضيه شرطا للزوم صومه كله ، لأن الماضي من الوقت يستحيل فعل الصوم فيه ، فعلم أنه لم يرد شهود جميعه ، فتقدير الكلام عنده : فمن شهد منكم بعض الشهر فليصم ما لم يشهده منه ، وهذا بعيد جدا . . ومالك يقول : شهد أي أدرك ، كما يقال : شهد زمان النبي عليه السلام أي أدرك ، والمجنون قد أدرك ذلك الزمان فلزمه الصوم لزوما في الذمة . . قوله تعالى :
( فَلْيَصُمْهُ )
: والصوم في اللغة : الإمساك المطلق ، غير مختص بالإمساك عن الأكل والشرب دون غيرهما ، بل كل إمساك فهو مسمى في لغة صوما ، غير أن اللّه تعالى أحل الأكل والشرب والجماع إلى أن يصبح ، ثم أمر بإتمام الصوم إلى الليل ، ففحوى الكلام تحريم أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة ، ولا دلالة فيه على غيرها بل هو موقوف على الدليل ، ولهذا ساغ الاختلاف فيه واختلف فيه علماء السلف . وأما الحيض والاستقاء فلمنافاتهما للصوم ، فلا يعلل « 1 » أصلا ، فقاس قوم الجنابة على الحيض ، وقاس قوم الحجامة على الاستقاء ، لأنهما استخراج الفضلة من البدن . .
هامش
( 1 ) لعلها لا تعلل ، وذلك لأن الصوم مما يدخل إلى الجوف لا مما يخرج من منافذ الجسم ، ولعل العلة ما يترتب على كل منهما من الضعف الذي يشق معه الصوم .
أحكام القرآن — صفحة 65 | عماد الدين بن محمد الطبري ( الكيا الهراسي )