تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
( أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ، أَحْياءً وَأَمْواتاً )
« 1 » ، وقال :
( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها )
« 2 » الآية . . ثم لم يقتصر فيما خلق من النبات والحيوان على الملذ دون المؤلم ، ولا على الغذاء دون السم ، ولا على الحلو دون المر ، بل مزج ذلك كله ليشعرنا أنه غير مريد منا الركون إلى هذه الدار ، لئلا تطمئن نفوسنا إليها فنشتغل بها عن الدار الآخرة التي خلقنا لها ، فكان النفع في خلق الدواب المؤذية كالنفع في اللذة السارة ، ليشعرنا في هذه الدار كيفية الآلام ، ليتضح الوعيد بألم الآخرة ، وينزجر عن القبائح ، فإذا رأى حرّا مفرطا تذكر نار جهنم فيتعوذ باللّه منها ، وإذا رأى بردا مفرطا تذكر برد الزمهرير فيتعوذ منه ، واستدل بالقليل الفاني على الكثير الباقي ، وانزجر عن القبائح طلبا لنعيم محض لا يشوبه كدر . وفي قوله تعالى :
( وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ )
( 164 ) دلالة على إباحة ركوب البحر تاجرا وغازيا ، وطالبا صنوف المآرب . وقال في موضع آخر : « هو الّذي يسيّركم في البرّ والبحر » « 3 » . وقال : « ربكم الّذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله » « 4 » . .
هامش
( 1 ) سورة المرسلات آية 25 ، ومعنى كفاتا ، الموضع الذي يكفت فيه الشيء أي يضم ويجمع . ( 2 ) سورة الكهف آية 7 ، 8 وتمام الآية( لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ). ( 3 ) سورة يونس آية 22 . ( 4 ) سورة الأسراء آية 66 .