خاطب سبحانه نبيّه محمّدا ( ص ) تسلية له مما ناله من أذى قومه ، وتثبيتا له بالصبر كما صبر موسى ( ع ) حتى نال الفوز في الدنيا والآخرة عن ابن عباس قال :
وكان موسى رجلا غيورا لا يصحب الرفقة لئلّا ترى امرأته فلما قضى الأجل وفارق مدين خرج ومعه غنم له وكان أهله على أتان وعلى ظهرها جوالق فيها أثاث البيت فأضل الطريق في ليلة مظلمة وتفرقت ماشيته ، ولم ينقدح زنده ، وامرأته في الطلق ، فرأى نارا من بعيد ، كانت عند اللّه نور وعند موسى نار
( فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا )
أي الزموا مكانكم لعليّ آتيكم بشعلة من النار تصطلون بها ، أو أجد على النار هاديا يدلّني على الطريق ، أو علامة استدل بها ، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عناب ، فوقف متعجبا ، فسمع النداء من الشجرة نودي يا موسى أنا ربك الذي خلقك ودبرك . قال وهب : نودي من الشجرة فقيل يا موسى ، فأجاب سريعا ما يدري من دعاه ، فقال : إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت ؟ فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لربّه عز وجل وأيقن به ، وعلم أنه أمام معجز خارق للعادة ، وأن الأمر عظيم ، فألقيت عليه السكينة ، وأنه
( بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً )
أي المبارك بسعة الرزق والخصب ، أو المطهر ، وطوى اسم الوادي
( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ )
أي اصطفيتك بالرسالة . ولما بشّره سبحانه بالرسالة أمره باستماع الوحي مبتدئا بالتوحيد
( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا )
أي لا إله يستحق العبادة غيري فاعبدني خالصا ولا تشرك في عبادتي أحدا ، وأمر اللّه موسى أن يبلغ قومه بذلك ، كما أمره سبحانه بإقامة الصلاة ، ثم أخبره بمجيء الساعة أي القيامة لا محالة من ذلك
( أَكادُ أُخْفِيها )
أي أريد أخفيها عن عبادي لتأتيهم بغتة ، وفائدة الإخفاء التهويل والتخويف ، فإن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت .