[ بين اللّه وإبليس ]
إبليس لم يعارض في الخلق إذ قال : خلقتني وخلقته ، بل نازع في الأمر ونازع واسطة الأمر ، حتّى قيل له :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ .
لو أتيت بألف حجّة فلا جواب لك على :
« إِذْ أَمَرْتُكَ »
.
إذا كان هذا التقليد فأين البصيرة ؟ 198 هذا الذي أقوله بصيرة ؛ المقدّمات مسلّمة والنتيجة ضرورية . من المسلّم به أنّني مخلوق من النار ، ومن المسلّم به أنّ آدم خلق من الطين ، ومن المسلّم به أنّ النار أشرف من الطين ، فلم سجودي له ؟ ما فضله عليّ ؟ وما تقوله : فأخرج منها فإنّك رجيم تعسّف صرف ، ثمّ : وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدين ، ظلم محض !
أيّها اللعين 199 تذكر مقدّمة ونتيجة ! ! تتمنطق ! ! ترى النار أشرف من الطين ، وتتمسّك بالطبيعة ، وترى البسيط مقدّما على المركّب ! تتألّه ! ! تقرّر مذهب الفلاسفة !
لأنّك سلّمت أنّي أنا الحاكم ؛ فالحكم لي ؛ فلماذا تحكم عليّ ؟ ! لأنّي أنا الآمر ؛ فالأمر لي ؛ فلماذا تصدر أمرك لي ؟ !
« إِذْ أَمَرْتُكَ »
، جواب كلّ الشبهات .
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . . .
200 أيّها اللعين ! تطلق كلاما متناقضا ؛ إن تنسب الغواية إليّ ، فلماذا تقعد على الطريق ؟ ! وإن تقعد على الطريق لغوايتهم ، فلماذا تنسب الغواية إليّ ؟
تقول بالجبر ، وتقول أيضا بالقدر . مذهب الجبريين انطلق من كلمة : أغويتني ؛ ومذهب القدريين انبثق من : لأقعدنّ ، كلا الطائفتين تشدّان بإبليس وتلقيان في جهنّم .
تجاوز الحدّ إلى الأمام دخول في التعليم :
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ؛
والتخلّف عن الحدّ إلى الوراء دخول في التعلّم :
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ؛
والانحراف نحو اليمين عزلة وتربّص :
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ؛
والانحراف نحو اليسار فسق وإباحة :
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ .
[ شبهات الخلق ]
حيثما كانت شبهة فمن وساوس الشيطان ، وحيثما كانت وسوسة فمن شبهات ذاك