« موصّ » من التوصية والمعنى واحد .
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ،
على الجانف ، إذا أصلح ، ولا على المصلح إثم ؛ فإنّ اللّه غفور للجميع ، رحيم بهم حيث هداهم للحقّ .
الأسرار
قال العارفون بمواضع الأحكام والنسخ : إنّ الآية لو كانت منسوخة لما جازت الوصيّة للأقربين الذين لا يرثون ، والمنسوخ لا يجوز أن يكون محكما في بعض الأحكام ، بل سبيل هذه الآية سبيل المجملات إذا فصّلت أو العمومات إذا خصّصت ؛ فكان الإرث في الجاهلية وابتداء الإسلام أن يكون المال كلّه للأولاد إرثا وللأبوين بالوصيّة ؛ فلمّا نزلت آية المواريث انصرفت الوصيّة إلى المقدّرات في
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ
الآية ، وهو كالصلاة والزكاة في ابتداء الإسلام ، حيث لم تكن مقدّرة ثمّ صارت مقدّرة ولم يكن ذلك نسخا ، وكانت الوصية مشروعة أو مفروضة للوالدين والأقربين ؛ فلمّا قدر اللّه تعالى نصيبهما رفع التقدير من الموصي إلى اللّه تعالى ؛ إذ تولّى بنفسه ذلك في كتابه ؛ فلا يكون فيه جنف أو إثم ، ولا يكون فيه حرمان بمرض مدهش للعقل ؛ وبقيت الآية محكمة وكيف تكون منسوخة وقد قال اللّه - عزّ وجلّ - :
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ
( 307 آ ) والحكم بأنّها منسوخة تبديل .
وسرّ آخر : إذا كانت الوصيّة مكتوبة على كلّ من ترك خيرا ، والخير هو المال الكثير وزانه في الأمريّات القرآن ، وهو الخير كلّه وهو كلّ الخير ، قد تركه النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بقوله : « إنّي تارك فيكم الثقلين » وهو ميراث النبوّة :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
ثمّ لم تكن الوصيّة للوالدين من المحكمات الدائمة ؛ فبقيت أن تكون الوصيّة صحيحة في القربى دائمة فيها ، وهم أصل الخير حتّى ينطبق الخير كلّه على أصل الخير ؛ وكما لا ينقطع أحد الخيرين وهو الكتاب كذلك لا ينقطع الخير الثاني وهو القربى من الأقربين :
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .
وسرّ آخر : الموصي قد يكون عادلا عالما وقد يكون جانفا آثما ؛ وكما أنّ العادل العالم يعدل في وصيّته فلا يظلم ، ويعلم موضع وصيّته فلا يخطئ ، كذلك بالضدّ منه الجانف الآثم