يميل في وصيّته فلا يعدل ، ويجهل موضع وصيّته فلا يعلم . فمن بدّل وصيّة العادل العالم فإنّما إثمه على الذين يبدّلونه ، ومن غيّر وصيّة الجانف الآثم فلا حرج عليه ، وإليك تطبيق الحكمين على الوصيّتين المتضادّتين ، ويا عجبا من وصيّة عادلة كيف بدّلت ! ومن وصيّة جانفة كيف نفّذت ! ولئن قيل : الآية منسوخة في الأبوين محكمة في الأقربين ، منسوخة من حيث الفرض محكمة من حيث التبرع ، فلعلّك تجد لذلك الحكم محملا صحيحا إن تأمّلت .
قوله - جلّ وعزّ - :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 183 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 )
النظم [ و ] النزول
ومن جملة الأحكام الشرعية الصيام وهو مكتوب على المؤمنين كما كتب على الأمم الماضين ، والمكتوبات في هذا النسق ثلاثة : القصاص والوصيّة والصيام ؛ فالقصاص لحفظ النوع ، والوصيّة لحفظ الأقارب ، والصيام لحفظ النفس ، ولمّا لم يكن الصوم في نسق الصلاة والزكاة مذكورا أورده في هذا النسق ؛ فالصوم مصحّة ، والوصيّة مألفة ، والقصاص مزجرة .
روى معاذ بن جبل : أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - قدم المدينة فجعل يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام ، وصام عاشوراء ، فصام سبعة عشر شهرا شهر ربيع إلى ربيع إلى رمضان ، ثمّ إنّ اللّه تعالى فرض عليه صوم شهر رمضان فأنزل :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ .
اللغة [ و ] المعاني
ومعنى
« كُتِبَ »
فرض واجب ؛ والصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام ، وأصله الإمساك عن الشيء . قال الزجّاج : أصله البيات على الإمساك ، وصام النهار إذا اعتدل ، ومعناه في الشريعة الإمساك عن المفطرات مع اقتران النيّة به ، ثمّ بيّن الربّ تعالى أنّه ليس من الشرائع التي خصصتم به ، بل مفروضا على الأمم قبلكم كما فرض عليكم .
وفائدة هذا التعريف أنّ الصوم ممّا يصعب على البدن ؛ فسهّل على المؤمنين احتماله