والمشرق مغرب ؛ فليس إذا توجّهت إلى أحدهما قربت منه مسافة وبعدت منه الأخرى مكانا ، بل الكلّ له ملكا وملكا ؛ والكلّ قبلة قلبك ووجهك ائتمارا وامتثالا ؛ وأمّا عجز الآية فكأنّه نازل منزلة التعليل ؛ فما من جهة ومسافة إلّا ووسعه رحمة وعلما وعطاء وفضلا ، وإذا لم يكن وجوده زمانيا ومكانيا فجميع الزمانيات والمكانيات بالنسبة إليه واحدة ؛ فلا قرب ولا بعد ، ولا قبل ولا بعد .
وسرّ آخر : أنّ الحكم المستأنف في الجهة أنّه لا تصحّ منك العبادة إلّا إلى جهة وقبلة ؛ والحكم المفروغ فيها أنّه لا تصحّ منك المعرفة إذا كانت إلى جهة وقبلة . فمن حكم المستأنف :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ *
ومن حكم المفروغ :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ،
وحكم المستأنف يتبدّل تشريعه وشريعته ، وأمّا حكم المفروغ فلا يتطرّق إليه التبديل ؛ ولمّا لم يعرف اليهود حكم المستأنف قالوا :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ؟
قال اللّه تعالى :
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
وهو تحقيق لحكم المفروغ .
وسرّ آخر : وجه اللّه خلق اللّه ، وجه اللّه أمر اللّه ، وجه اللّه عبد من عباد اللّه ، كما أنّ يد اللّه يد رجل من عباد اللّه :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ؛
فمن توجّه إلى رجل ممّن اختاره اللّه فقد توجّه إلى اللّه ، كما أنّ من سجد لآدم - عليه السلام - فقد سجد للّه ، ( 231 آ ) و
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
ومن توجّه إلى بيت أكرمه اللّه فقد توجّه إلى اللّه ، كما أنّ يدا للّه فقأت عينا في حرم اللّه .
قوله - جلّ وعزّ - :
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
( 116 ) النظم لمّا أبان اللّه تعالى أنّ المشرق والمغرب له ملكا وملكا فلا يختصّ به جهة دون جهة مكانا ،
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
عقّب ذلك بأنّ السّماوات والأرض له ملكا ؛ وملكا ؛