وأيّ امرئ أشدّ تعدّيا وأجرا على اللّه من أمرى منع مساجد اللّه أن يعبد فيها ومنع العابدين من دخولها والعكوف عليها ؟ ! والمنع إنّما يقع على العابدين والتخريب إنّما يقع على المساجد ؛ والمساجد مواضع السجود وهي الأبنية المعروفة بيوت العبادة ، وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - « جعلت لي الأرض مسجدا وترابها لي طهورا أينما أدركتني الصلاة تيمّمت وصلّيت » 585 ولقد كانت بيوت العبادة مبنية على إشارات خاصّة من الوحي ، وكان لا يجوز ( 229 آ ) الصلاة إلّا فيها ؛ فرخّص اللّه تعالى لهذه الأمّة أن جعل الأرض كلّها مسجدا والتراب كلّه طهورا ، لئلّا تتأخّر العبادة عن الوقت الموظّف لها .
وقوله :
أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
في محلّ النصب « 1 » ، لوقوع المنع عليه ، والمنع يتعدّى إلى مفعولين ويجوز أن يكون بنزع حرف الصفة . تقديره : من أن يذكر فيها اسمه ؛ ومعناه : يعبد فيها ويصلّى فيها ؛ ويسعى في خرابها : أي عمل وحرّض الناس على خرابها ؛ وخراب البيت بجلاء العابدين عنه .
أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ
أي ما ينبغي لهم
أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ .
قال ابن عبّاس « 2 » لم يدخل بيت المقدّس رومي إلّا خائفا لو علم به قتل ؛ وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل ؛ وقال السدّي : أخيف بالجزية .
قال أهل المعاني : ظاهره خبر ومعناه أمر ، أي جاهدوهم حتّى لا يدخلها أحد إلّا خائفا من القتل والسبي ، نظيره
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ
أي لا تؤذوا ولا ينبغي لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده . قال ابن عبّاس في رواية عطاء : هذا وعد من اللّه تعالى للمؤمنين حيث جعل المسجد حرما آمنا يأمن فيه المؤمنون ويخاف فيه المشركون جزاء لهم على منعهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - والمؤمنين من دخول المسجد الحرام ؛ وهذا التفسير على القول الأشبه أشبه وأقرب .
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ .
قال مقاتل والسدّي والكلبي عن ابن عبّاس : الخزي في الدنيا فتح الروم ومدائن قسطنطينية ؛ فيقتل مقاتليهم ويسبي ذراريهم . قال السدّي : خزيهم في الدنيا فتح قسطنطينية عند خروج المهديّ . قال قتادة :
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو .
( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .