البريء بذنب المجرم ؟ ! كأنّه قيل له : وارتق بدرجة ثمّ اطّلع على السرّ المخزون ، حتّى قال :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
أي استخلاصك الخليقة وامتحانك البريّة ؛ وكان في ذلك استخلاصهم عن الأوضار البشرية حتّى خلص سرّهم لقبول سرّ الغيب ، واستخلاص موسى أيضا حيث وقع بصره على سرّ القدر ؛ فقيل له : أصبت فالزم ؛ وفي بعض التفاسير رأيت أنّه لمّا قال :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
خاطبه الربّ تعالى : يا حكيم الأنبياء أعد ما قلت . فقال :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
وكان يخاطبه بحكيم الأنبياء ويستعيده المقالة أربع كرّات ، وما كان قبل ذلك يخاطب بحكيم الأنبياء . فقد وقع بصره على سرّ التقدير ، ووصل به إلى الكمال المطلوب ، وحصل له العلم المخزون ؛ فقال :
تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ،
ويقال : فتنت الإبريز بالنار أي استخلصته . فتميّز الصافي عن الزيف ، واهتدى من وجبت له الهداية ، وضلّ من حقّت عليه كلمة العذاب .
وعقّبه بأن قال :
أَنْتَ وَلِيُّنا *
أي مولانا وناصرنا وحافظنا ومالك أمرنا ،
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
( 157 ب ) وذلك قوله :
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي نعمة اللّه ، يبعث موسى بالحقّ ؛ فلا تقولوا :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
ويبعثكم من بعد موتكم ؛ فلا تقولوا كمن قال :
مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ .
قوله - جلّ وعزّ - :
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( 57 ) النظم وتظليل الغمام عليهم ، وإنزال المنّ والسلوى في التيه إليهم ، قد كانت من النعم التي أسداها اللّه تعالى إليهم ، وقابلوا ذلك أيضا بالكفران ؛ وما ظلمهم اللّه ولكن ظلموا أنفسهم .
التفسير
قال أهل التفسير : هذا إنّما كان في التيه ؛ إذ لم يمتثلوا أمر اللّه في دخول بلدة الجبّارين ،