تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
ثمّ الخطأ كلّ الخطأ في اعتقادهم رؤية اللّه جهرا ، وما لم يعتقدوا كون الجهر في الرؤية جائزا ولم تخطر ببالهم مشافهة ومواجهة وجهة ومكان وصورة لم يسألوا ذلك ؛ وهو كقول بعضهم :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
فجواب أولئك أنّكم قوم تجهلون ، وجواب هؤلاء :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
ومثل هؤلاء القوم في هذه الأمّة المجسّمة والمشبّهة والحشوية ، حيث اعتقدوا ذلك الاعتقاد وقد أخذتهم صاعقة الحجّة وأقحمتهم دلائل العقل ؛ وأمّا القوم الذين اختارهم موسى - عليه السلام - لو سألوا موسى حتّى يسأل ربّه ؛ فيسمعهم كلامه كما سمع موسى ؛ فذلك معقول ومقبول ؛ وكما أنّ السحرة كانت واسطة لموسى كانت أيضا واسطة لهم ؛ وأنّ اللذّة الحاصلة لموسى من أسرار المناجاة كانت أيضا حاصلة لهم ؛ وكان فيه تشريف التكليم وكذلك طلب الوحي ودرجة النبوّة ليس يبعد أن يعطيهم ويرفع درجتهم بذلك ، وتكون الرجفة الواقعة عليهم امتحانا واستخلاصا لهم ، كما قال موسى :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
أي استخلاصك الخالص عن الزيف ؛ فاختارهم موسى من قومه واستخلصهم اللّه بالرجفة ؛ فصلحت أسماعهم لسماع كلام اللّه واستعدّت قلوبهم لتلقّي كلمات اللّه ( 157 آ ) . وسرّ آخر : أنّ موسى - عليه السلام - كان يرى العقوبة مرتبة على الجرم ، ولا يجوز أن يؤاخذ البريء بجرم المذنب ، وهذا في كتابه مسطور ، وفي شريعته مذكور . فلئن أغرق فرعون فلعظم جرمه واستكباره ، ولئن كلّف عبدة العجل بقتل أنفسهم فلذلك ؛ ولا ظلم أكبر من دعوى الإلهية ، ولا ذنب أعظم من اتّخاذ العجل إلها . فبقي هاهنا مؤاخذة البريء بذنب المجرم أو عقوبة واحد من غير جرم ؛ فذلك ممّا لا يهتدي إليه عقل ولا يحكم به عاقل . هذا حكم الشرع ، ووراءه حكم آخر وهو أن لا يطلب لصنعه تعالى علّة ، ولا يعارضه بلم ، ولا يسأله عن شيء ؛ فأريد أن يطّلع موسى على هذا الحكم المفروغ حتّى يكمل نظره ؛ فلمّا أن قال :
رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ
أي كان ذلك أقرب إلى صلاحي وأصلح لحالي ؛ فلا يظنّ القوم بي أنّي حملتهم مختارين للميقات ثمّ أهلكتهم ، وجئت إليهم سالما كالخائن الخائف . قيل له : ارتق عن هذه الدرجة ، فأردفه بالتعجب من صنعه قال :
أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا
فكيف يليق ذلك بالحكمة ؟ وكيف يجوز في العقل والشرع مؤاخذة
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار — صفحة 361 | محمد بن عبد الكريم الشهرستاني