لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي لكي تشكروا نعمة اللّه ونعمة البعث .
الأسرار
قال أهل البيان لمعاني القرآن : إنّ القوم الذين أخذتهم الصاعقة عقوبة على جهة الاختصام والعناد غير القوم الذين أخذتهم الرجفة هيبة على جهة الترتّب وضعف الاستعداد ؛ والذين قالوا : لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرة عاندوه من ثلاثة أوجه :
أحدها قولهم :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ، *
وهو كفر وعناد بعد ظهور صدق موسى - عليه السلام - بالبيّنات .
والثاني قولهم :
حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
فمتى كان التكليف موقوفا على عيان المكلّف ؟ ! ومن تحقّق له العيان ارتفع عنه تكليف الإيمان .
والثالث أنّهم استكبروا بهذا السؤال
وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً
فإنّ موسى على كمال درجته في النبوّة لم ينل هذا المراد ؛ وقيل له : لن تراني . فكيف تجاوز درجتهم درجته وإذ كان مقصودهم في مثل هذه السؤالات دفع التكليف عن نفسهم وإيذاء موسى بالسؤال عليه ظهر عنادهم ، وسقط به استرشادهم ؛ فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم ؛ وهي نار نزلت من السماء ووزان هذه المحالات السؤالات العنادية التي صدرت عن جماعة من الكافرين والمنافقين ( 156 ب ) في زمان النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - مثل ما قيل :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
وهذا طلب المعجزة وذلك طلب رفعة الدرجة ؛ فلا هذا بيد محمّد ولا ذاك بيد موسى - عليهما السلام - ، فأولئك أخذتهم صاعقة النار وهؤلاء أخذتهم صاعقة السيف ، وكذلك ما صدر عن المنافقين من اعتراضات على حركات النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - من حرب يحثّهم عليه فيقعدون عنه ، ومن صلح يدعوهم إليه فيتناكصون عنه ، ومن قسمة غنيمة فلا يرضون بها ، ومن أخذ فدية فيعترضون عليه ، ومن حكم مفروغ كان يحكم به فيتوقّفون فيه ، ومن حكم مستأنف كان يحكم به فيقفون عنده .
وبالجملة كلّ ما وجدوا في أنفسهم ممّا قضى حرجا واعتراضا وسؤالا فهو من باب :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ، *
و
لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
و
لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً .