ولا يمكن حمل اللقاء والملاقاة في هذه الآيات على الرؤية ؛ لأنّ أحدا لا يستيقن أنّه يرى ربّه ، بل كلّ من قال به رجوا ذلك من فضله ، وقد ظنّ قوم أنّ اللقاء في قوله : « 1 »
بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ
هو الرؤية وأثبت الرؤية بها ، وذلك بعيد عن الفحوى . وقد فسّر الظنّ في الآية التي نحن في تفسيرها باليقين ، وحمل اللقاء على المصير إلى اللّه .
قال ابن عبّاس في رواية عطاء : يريد الذين يستيقنون أنّهم مبعوثون وأنّهم محاسبون وأنّهم راجعون إليه ؛ وقال الضحّاك : « 2 » يستيقنون أنّهم مبعوثون بعد الموت ومعاينون ما عملوا من خير وشرّ ؛ وقال مقاتل : معاينو ربّهم في الآخرة ؛ وقال بعضهم : معناه ملاقو ما وعدهم ربّهم في الآخرة فهم لا يشكّون فيه .
قال أبو عليّ الفارسي : يجوز أن يكون المعنى ملاقوا ثواب ربّهم كما قال :
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ
أي ملاقو ثوابه ؛ وما قال المفسّرون أولى ؛ لأنّ من مات يقال لقي اللّه وصار إلى اللّه وإن كان كافرا ؛ وفي الخبر : « لقي اللّه وهو عليه غضبان » وقال تعالى :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ .
ووجه النظم « 3 » بين الآيتين والصفتين أنّ الصلاة لكبيرة إلّا على المؤمنين الموقنين بالآخرة ، ومن لا يؤمن بالآخرة فالصلاة تكون عناء وثقيلة عليه .
وقوله :
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
أي إلى حكمه ؛ والمعنى يعلمون أنّ مرجعهم إلى اللّه ، فهو يجازيهم بأعمالهم . ( 142 آ ) قال أبو العالية : راجعون إليه بالإعادة في الآخرة ؛ ومعنى الرجوع : المصير إليه فلا يملكون شيئا من أمرهم وذلك يوم القيامة ؛ وقوله : « إليه » أي إلى حكمه وأمره ؛ وجملة المعنى أنّهم مصدّقون بالبعث وجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه ؛ وقول المفسّرين في « أنّهم ملاقو ربّهم » و « أنّهم إليه راجعون » على كثرتها راجع إلى معنى واحد ؛ ولا بدّ من فرق بين المعنيين « 4 » لاختلاف اللفظين ؛ وكما جرت العادة بأن يقول الرجل : لقيت فلانا فأكرمني ، فيسبق اللقاء على الإكرام ، كذلك قدّم اللقاء على الرجوع إليه بالثواب والإكرام ؛ ويمكن أن يحمل اللقاء على الموت الذي لا بدّ منه ، ويحمل الرجوع إلى اللّه على الحشر إليه بعد الموت ؛ فالمؤمن موقن بالبعث بعد الموت كما هو موقن
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : الكلام .
( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .
( 3 ) . في الهامش عنوان : النظم .
( 4 ) . في الهامش عنوان : المعاني .