ومنها أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - كان مبعوثا بالتكليف والتعريف وقوله :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
تكليف ، وقوله :
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
تعريف ، ولو استغنى العقلاء عن التكليف والتعريف لما بعث إليهم رسول ، ولا أنزل إليهم كتاب ؛ وكما أنّ تكليف العباد بالعبادة محتاج إليه ، كذلك تعريف العبادة بالمعرفة محتاج إليه ؛ فهو المبيّن كيف نعبده بالتوحيد ، وكيف نوحّده بالعبادة ؛ فإن عبدناه بأبداننا كيف نعبده ، وإن عرفناه بعقولنا كيف نعرفه . فليس بحقّ قول من قال : إنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - كان مبعوثا بأحد الأمرين دون الثاني .
ومنها أنّه عرّف العباد بالإخبار عن فطرتهم ؛ إذ كلّ إنسان يعرف بفطرته أنّه ما خلق نفسه ، وأنّه محتاج إلى خالق خلقه ؛ فابتدأ التعريف من الفطرة وأخبر عن كلّ فطرة بما لا يسوغ له إنكاره ، ليعلم أوّلا صدقه في إخباره ، ( 87 آ ) وكذب غيره في إخباره على خلاف الفطرة ؛ وهكذا تعريف الأنبياء - عليهم السلام - عن فطرة الإنسان :
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ .
فدعوتهم كلمة واحدة وكلمتهم دعوة واحدة ؛ وما من تكليف إلّا ومعه تعريف وما من تعريف إلّا ومعه تكليف .
ومنها أنّهم أخبروا الناس بعاقبة الأمرين وهو قوله :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
أي تتّقون بالعبادة من الاستكبار ، وبالمعرفة من الإنكار في الحال ، وتتّقون بهما من النار في المآل ، كما يتّقي المتّقي من العدوّ بجنّته ؛ والتقوى أوّل لباس الناس وخير لباس الناس :
وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ .
ثمّ أخبر اللّه تعالى بتعريف آخر بعد تعريفه بذلك :
قوله - جلّ وعزّ - :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( 22 ) النظم لمّا عرّف اللّه تعالى ربوبيته بما تدلّ عليها فطرتهم التي لا يسوغ لهم إنكارها وفطرة