ومن الملائكة ما هو كلّ أو كلّي ومنها ما هو جزء أو جزئي . فيكون مع كلّ المطر مثلا ملك كلّي ويكون مع كلّ قطرة تنزل من السماء ملك جزئي ؛ ولو لم يكن كذلك كان الخلق عبثا والوجود اتّفاقا ، والحكمة في صلاح العالم باطلة ، والآيات في الخلق والأمر والمبدأ والمعاد عاطلة ، قال اللّه تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .
سبحانه ما أعظم شأنه وأجلى برهانه كيف قرّر المحسوس ممزوجا بالمعقول ، وكيف قدّر الأمري على الخلقي ! ومن وقف على الحكمتين أعني حكمة الفلاسفة في تقرير الآثار العلوية وحكمة النبوّة في تقرير الآثار الأمرية عرف أنّ الفرق بينهما مثل ما بين القدم والفرق ، وأنّ الصرف بينهما مثل ما بين الدلاية والخزف « 1 » .
قوله - جلّ وعزّ - :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( 21 ) النظم لمّا ذكر اللّه تعالى أحوال أهل الكتاب ، أعني اليهود المجاهرين بالخلاف والشقاق والمخادعين بالإسلام الظاهر والنفاق ، عقّب ذلك يخاطب أهل مكّة من المشركين وإلزام الحجّة عليهم بالآيات في الخلق والرزق التي تدلّ على التوحيد ونفي الأنداد ، وآيات النبوّة في سور القرآن وتعجيزهم عن الإتيان بمثلها .
التفسير
وقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ،
قال الحسن وعكرمة وعلقمة والضحّاك والزهري : كلّ ما في القرآن :
يا أَيُّهَا النَّاسُ
فهو خطاب لأهل مكّة ، و
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا *
فهو خطاب لأهل المدينة ؛ وقيل : الناس عامّ لكلّ مكلّف بالبلوغ والعقل ، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة
هامش
( 1 ) . كذا ، ويمكن قراءة العبارة على النحو التالي « وأنّ الصرف بينهما مثل ما بين الولاية والضرف ! »