وقوله :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ،
فقيل : معناه النهي والتحذير ؛ ومن هذا القبيل قول القائل :
لعلّك تحسبني فلانا ، ولعلّك تظنّني أحطّ عنك شيئا من هذا المال ، أي لا تظنّ ذلك ولا تحسبنّ .
قال يونس النحوي وقطرب : إنّ « لعلّ » هاهنا بمعنى كي ، يعني لكي تتّقوا العذاب بطاعتكم للّه ، ولكي تنجوا من السخط والنار .
وقال سيبويه : لعلّ وعسى حرفا ترجّ وطمع ، أي كونوا على رجاء وطمع أن تتّقوا بعبادتكم عقوبة اللّه أن تحلّ بكم ؛ وهذا قول البصريين ، وهو أحسن ما قيل فيه ؛ والقولان ذكرهما الزجّاج .
وقال القفّال « 1 » في
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ :
إنّما ذلك كقول الرجل لأجيره إذا رآه يقصّر في عمله :
اعمل عملك لعلّك تأخذ أجرك ؛ ويقول لمن يعظه : اقبل منّي لعلّك تفلح ، لا يريد بذلك شكّا وإنّما يدخل لعلّ ترقيقا للموعظة وتقريبا ( 86 ب ) لها من قلب الموعوظ ؛ ولأنّ اللّه قد وعد أهل عبادته الخلود في الجنّة والنجاة من النار ، ووعده حقّ لا شكّ فيه ، لكن أجرى ذلك على عبارة العرب في الإخبار عن أنفسها ؛ إذ يقول القائل منهم : أنا أفعل ذلك لعلّه ينفعني ؛ فبنى الكلام فيه على ما اعتادته العرب ؛ وكأنّه قال : اعبدوا اللّه راجين للنجاة والفوز قائلين في أنفسكم : لعلّ اللّه يقينا النار إذا عبدناه ؛ والراجي منّا واقف بين الشكّ واليقين في رجائه ؛ وقد وصف اللّه المؤمنين بمثل ذلك في قوله :
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً .
وقوله :
يَتَّقُونَ *
هو يفتعلون من الوقاية ، وسواء هي وقولك : يتوقّون ، وكأنّه [ قال ] :
لعلّكم تقون أنفسكم النار أو تقون أنفسكم الشرك .
الأسرار
قال الذي عنده علم من الكتاب : في هذه الآية إشارات إلى أسرار منها : أنّه - صلّى اللّه عليه وآله - كان مبعوثا إلى الأحمر والأسود والناس أجمعين ؛ إذ الخطاب عامّ لكلّ من يطلق عليه اسم الناس . ثمّ المقصود منهم العقلاء المكلّفون ، والمقصود من المكلّفين المؤمنون ، فهم الناس في الحقيقة ؛ وقد عرفت كيف يتخصّص العامّ ويعمّ الخاصّ .
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .