إليه من أبواب الفتيا كما قال اللّه تعالى :
وَما كانَ [ الْمُؤْمِنُونَ ] لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ [ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ] لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
« 1 »
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
« 2 » . فكان الغرض من تفريعهم ما فرعوه عن الأصول المحددة في كتاب اللّه ، والسنن المأثورة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجعلوا تلك المسائل المفرعة عدة للحوادث الواقعة . وكان مثلهم في تقديم العناية التي قدموها بذلك من الأطباء المشفقين على أنفس الناس وأجسادهم باستنباطهم لهم من فنون العلاجات والأدوية « 3 » ؛ لتكون معدة لمقابلة العلل المخوفة إذا عرضت لها . فحدث بعدهم من طلاب الفقه من جعل غرضه فيما يطلبه منها نيل الرئاسة في العامة ، والحظوة « 4 » عند الملوك والرؤساء « 5 » والتسلط على أموال اليتامى والضعفاء مع استعمال الحيل في إبطال حقوقهم والقول بها . فانقلبت الصناعة على جلالة قدرها ، وعلو خطرها من مرتبة الحمد إلى مرتبة الذم باختلاف الغرضين .
2 - 155 - 1
فصل في ذكر الكلام والمتكلمين
[ قول لأبي زيد البلخي ]
قال أبو زيد :
صناعة الكلام في غاية الجلال والشرف ، ومن الصناعات المحتاج إليها في قوام الدنيا إذ كانت صناعة البحث والنظر ، ولا غنى بالناس عن استعمالها في تمييز الحق من الباطل ، والخطأ من الصواب في جميع ما يعتقدونه . وهي موضوعة بإزاء أصول الدين كما أن صناعة الفقه موضوعة بإزاء فروعه . فكما لا يستغنى عن التفقه في فروع الدين بصناعة الفقه ، كذلك
هامش
( 1 ) في الأصل : ( إلى ) .
( 2 ) التوبة : 122 ( وما بين القوسين ساقط من أصل المخطوط ) .
( 3 ) في الأصل : ( الأودية ) .
( 4 ) في الأصل : ( الخطوة ) .
( 5 ) في الأصل : ( الدوسا ) .