واحدة في أنه يجب أن يختار ما يقتضيه الإلجاء ، وأن يعلم حاله أن يفعله عند الإلجاء أو يكف عنه . فمتى جمع هذين الشرطين ، وصف بأنه إلجاء . والفرق بينه وبين الفعل الواقع من المختار الذي تتردد دواعيه بين الفعل والترك « أنه لا يتعلق به ذم ولا مدح « 1 » . ولذلك لا يمدح الإنسان على الأكل عند الجوع ، والهرب من السبع عند الخوف منه ، ولا على الامتناع من قتل الظالم إذا كان يعلم أنه لو حاوله يمنع ، ويفارق حاله حال المتمكن الذي ليس بملجإ ؛ في كلا الوجهين اللذين قدمناهما .
فإذا ثبتت هذه الجملة ، وكنا قد بينا في مواضع كثيرة أنه تعالى لم يرد من المكلف الإيمان على طريق الإلجاء ، وإنما أراده على طريق الاختيار ، وتأولنا عليه قوله تعالى
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
« 2 » إلى غير ذلك من الآي فيما بين الفرق بين الإرادتين ، ليعلم أن الذي نفيناه غير الذي أثبتناه ، ويعلم علتهما في ذلك .
فإذا ثبت ما قدمناه أن عند سبب الإلجاء يجب الفعل ، وأنه تعالى لو أراد الإيمان من العبد على جهة الإلجاء ، لكان المعنى في ذلك أن يريد سبب الإلجاء إلى الإيمان ، لأنه لا يجوز أن يريد الإيمان على وجه ، ولا يتم على ذلك الوجه ألا يفعل سواه ، إلا ويريد ذلك الفعل الذي لو فعله تعالى لكان العبد ملجأ إلى الإيمان ، وهو أن يفعل تعالى ما عنده لا بد من وقوع الإيمان على وجه لا يستحقون عليه المدح ، على ما بيناه .
هامش
( 1 ) وقعت هذه العبارة في الأصل بعد قوله : ( أو يكف عنه ) في السطر السابق .
( 2 ) الآية : 149 من سورة الأنعام ، انظر الفقرة : 241 ، وراجع الفقرة : 80 وآيات المشيئة بعامة .