وقد يجوز أن يكون المراد بقوله :
فَثَبَّطَهُمْ
أنه فعل من الألطاف ما يختارون عنده ترك الخروج على هذا الوجه ، ولهذا قال تعالى :
وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
.
ويجوز أيضا أن يكون المراد به أنه تعالى بين للرسول أنهم لو خرجوا على هذا الوجه لمنعوا ، فصار ذلك تثبيطا منه تعالى ، وبمنزلة أن يأمرهم بالقعود .
292 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخلق فيهم الكفر وأنهم قد يرغبون إليه أن لا يضلهم فقال :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي ، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
. . [ 49 ]
والجواب عن ذلك : أن ظاهر الفتنة ليس هو الكفر والمعاصي ، وقد بينا أنه ينطلق على الامتحان والتشديد في التكليف « 1 » ، ولذلك أطلقه تعالى على العذاب ، بقوله :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
« 2 » وعلى البلاء النازل من الأمراض وغيرها ، فقال تعالى :
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ
« 3 » وقال
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
« 4 » فلا ظاهر لما تعلقوا به .
هامش
- ذكرها القاضي عبد الجبار لهم في الدلالة على أن تكليف الكافر بالايمان لا يقبح ، - بخلاف العاجز عن الإيمان - وقد ذكر القاضي في الرد عليهم جملة جامعة ، بعد أن ناقش أدلتهم بإطناب ، فقال : ( إن الإيمان لا يفعل بالجواز ، ولا بالصحة ، ولا بالتوهم ، ولا بالإطلاق ، ولا بالتخلية ، ولا بالمشيئة ، ولا بكونه غير ممنوع ، وإنما يفعل بالقدرة ، والكافر لم يعط القدرة ، فيكون تكليفه والحال هذه تكليفا لما لا يطاق ، وينزل منزلة العاجز . وقد تقرر في عقل كل عاقل قبح تكليف من هذا حاله ، ففسد ما قالوه ) شرح الأصول الخمسة 406 ، فما بعدها .
( 1 ) انظر الفقرة 212 .
( 2 ) سورة الذاريات . الآية : 13 .
( 3 ) من الآية : 126 في سورة التوبة .
( 4 ) من الآية : 155 في سورة الأعراف .