والجواب عن ذلك : أنه بين من حالهما أنهما أقدما على ما نهاهما عنه - وإن كان ذلك عند ذهابهما عن الاستدلال - على طريق التعمد ؛ لأنهما لم يتناولا مما أشير إليه بالتحريم ، لكنهما دلّا على أن المراد الجنس فظناه العين ، وكان الواجب عليهما أن يستدلا بما نصب من الدليل ، فيعرفا المراد به ، فلما ذهبا عن ذلك ، وأقدما على الأكل منه ، كانا ظالمين لأنفسهما ؛ لأنهما حرماها بعض ما حصل لهما من الثواب ، والمفوت [ على ] نفسه المنافع كالجالب إليها المضار ، في أنه يوصف بأنه ظالم لنفسه ، ولذلك نسبا أنفسهما إلى الظلم ، ووصف الظالم بأنه ظالم ليس بذم ؛ لأنه يجرى على طريق الاشتقاق ، ولذلك قالت العرب :
هو أظلم من حية ، وإن لم يصح فيها الذم ، وإذا أريد به الذم صار منقولا ، ويخالف وصف الفاسق بأنه فاسق ؛ لأن ذلك وضع للذم في الشرع ، ولذلك متى استعمل في الذم استعمل على خلاف طريقته في اللغة ، وليس كذلك « 1 » وصف الظالم بأنه ظالم ، فلا يدل ذلك على أنهما أقدما على كبير واستحقا الذم .
وقولهما :
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
محمول على
هامش
- حزم أن أكثرهم لا يستثنون من ذلك إلا الكذب في التبليغ . وذهب ابن فورك الأشعري إلى أن الأنبياء لا يجوز عليهم كبيرة أصلا ، وجوز عليهم مع من تابعه في ذلك الصغائر بالعمد ، قال ابن حزم : ( وذهبت جميع أهل الإسلام ، من أهل السنة ، والمعتزلة ، والنجارية ، والخوارج ، والشيعة ، إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلا معصية بعمد ، لا صغيرة ولا كبيرة ) . وقال الرازي : ( والذي نقول : إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في زمان النبوة عن الكبائر والصغائر بالعمد ، أما على سبيل السهو فهو جائز ) .
مقالات الإسلاميين : 1 / 213 . الفصل : 3 / 2 . عصمة الأنبياء للرازي ص : 4 .
وانظر فيه : عصمة آدم عليه السلام ، ص : 11 فما بعدها .
( 1 ) ساقطة من د .