من قبله ، ولذلك حكى تعالى عن الشيطان أنه لم يكن له عليهم سلطان ، وأنهم إنما ضلوا بسوء اختيارهم عند دعائه .
ثم يقال للقوم في هذه المسألة : إن كان تعالى هو الذي يخلق الضلال والكفر فما الوجه في دعاء إبليس ، وهل وجوده إلا كعدمه ؟ وكيف يمكن أن يقال إنه يضل العباد ، والضلال هو من فعل اللّه تعالى ! ولو اجتهد إبليس في خلافه لم يكن الضال إلا ضالا ، من حيث خلق الضلال فيه ، فيجب على قولكم أن يكون خلقه إبليس وخلقه فيه الدعاء عبثا ، بل يجب أن يكون بعثه للأنبياء بهذه المنزلة ! لأن وجود دعائهم كعدمه [ لأنه ] إن أراد تعالى خلق الإيمان وجد لا محالة في المدعو ، وإن أراد خلافه فكمثل ، ويجب أن لا يكون إبليس بالذم أحق من الأنبياء ، لأنه تعالى لو خلق فيه الدعاء إلى الخير لكان مثلهم ، ولو خلق فيهم الدعاء إلى الشر لكانوا مثله ، فإنما ينقلبون وتختلف بهم الأحوال بحسب تصريفه عز وجل لهم ، فما وجه الفضيلة والحال هذه ؟ !
251 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن آدم عليه السلام وقع منه الظلم والكبائر ، وأنه مع ذلك لم يخرج عن أن يكون نبيا مؤمنا فقال :
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
[ 23 ] فنسبا أنفسهما إلى الظلم الذي يقتضى الذم ، وخبرا « 1 » من حالهما بأنه لو لم يغفر لهما لكانا من الخاسرين ، وذلك لا يصح فيمن ذنبه مغفور ومعصيته صغيرة « 2 » .
هامش
( 1 ) في د : حبر .
( 2 ) جوز الكرامية على الأنبياء فعل الكبائر من القتل والزنا ونحو ذلك ! ونقل ابن -