فالمراد به الإنس والجن دون الدواب وغيرها من الحيوان « 1 » ، لما بيناه من الدلالة ، لأن المقصد بالنذير أن يحذر من المعاصي ويبعث على مجانبتها ، وذلك لا يصح في الدواب ! .
210 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه جعل الكفار ممنوعين ، فقال تعالى :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ 39 ] فبين أنه يصرفهم في المنع والإطلاق كيف شاء ! .
والجواب عن ذلك : أنه تعالى لم يذكر الوقت الذي هم فيه بهذه الصفة ، ولا يصح ادعاء عموم الأحوال في ذلك ؛ لأن الظاهر لا يقتضيه ، لأنه تعالى علقه بأمر ، فقال :
فِي الظُّلُماتِ
ولا يعلم بظاهره المراد منه ، ولو كان عاما باطلاقه لمنع هذا التقييد من حمله على ظاهره ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر .
ويحتمل أن يريد تعالى : أنه جعلهم بهذه الصفة في الآخرة ؛ لأنه ذكر ذلك عقيب ذكر الحشر ، فقال :
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
« 2 »
، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
، ومتى حمل هذا على هذا الوجه كان محمولا على حقيقته ، وقوله تعالى :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
« 3 » مما يدل على ذلك .
هامش
( 1 ) عد الراغب الأصفهاني من أنواع التأويل المستكره - وهو ما يستبشع إذا سبر بالحجة - التلفيق بين اثنين ، ( نحو قول من زعم أن الحيوانات كلها مكلفة ، محتجا بقوله تعالى :[ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ]وقد قال تعالى :[ وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ]فدل بقوله[ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ]أنهم مكلفون كما نحن مكلفون ! ) وعنده أن هذا النوع أكثر ما يروج على ( المتكلم الذي لم يقو في معرفة شرائط النظم ) .
انظر مقدمته في التفسير ص 403 .
( 2 ) من الآية : 38 .
( 3 ) من الآية : 97 في سورة الإسراء .