الطاعة من العباد دون المعاصي ؛ لأنه تعالى أضاف إرادة الميل الواقع من العاصي إلى غيره ، وأضاف إرادة التوبة إليه ، وامتن بأنه تعالى أراد التخفيف علينا . ولو كان قد أراد الكفر لم يصح هذا الامتنان .
ومن وجه آخر ، وهو أن من يريد اللّه منه التوبة في المستقبل لا بد من أن يكون عاصيا في الحال ؛ لأنه تعالى لا يريد ممن لم يعص البتة أن يتوب ؛ لأن التوبة هي الندم على ما كان منه ، ولا يصح الندم على الطاعة والحسن ، وإنما يصح أن يريد التوبة في المستقبل من الكافر والفاسق ، فلو كان تعالى يريد أن تتجدد المعصية فيهم حالا بعد حال ، لم يصح أن يصف نفسه بأنه يريد فيهم خاصة أن يتوب عليهم .
152 - دلالة : وقوله تعالى من بعد :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
[ 29 - 30 ] فدل تعالى على أن من يفعل أكل المال بالباطل وقتل النفس « 1 » يدخله النار لا محالة ، وقد يوصف بذلك الفاسق من أهل الصلاة ، كالكافر ، فيجب حمل الآية على العموم ، ومعقول من حال الكلام أنه يريد النهى عن أن يأكل بعضنا أموال بعض ، لأن من ملك المال لا ينهى عن أكله ، والوعيد وارد عليه على « 2 » الحد الذي وقع النهى عنه ، فليس لأحد أن يتعلق بذلك .
فأما قتل النفس فالنهي يتناول فيه أن يقتل بعضنا بعضا و « 3 » أن يقتل نفسه ،
هامش
( 1 ) ف : الناس .
( 2 ) ف : في .
( 3 ) ف : أو .