تخطي إلى المحتوى الرئيسي

متشابه القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
فبين أنه يوفق « 1 » بينهما إذا أراده الحكمان . والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله تعالى :
يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
لا يدل « 2 » على أنه الفاعل لما يؤثر أنه من الصلاح ، لأن قول القائل : وفق فلان بين فلان وفلان ، إنما يدل على أنه فعل التوفيق ولا يدل على غيره ، كما إذا قيل ضرّب بينهما ، دل على أنه فعل التضريب دون فعلهما ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر . واعلم أن « التوفيق » هو اللطف إذا اتفق عنده من العبد الطاعة والإيمان « 3 » ويقال لفاعله عند ذلك ، إنه قد وفقه ، وإن كان من قبل لا يوصف بذلك ، كما يوصف فعل زيد بأنه موافقة إذا تقدم فعل عمرو ، ولولاه لم يوصف بذلك ، فمتى وصفناه تعالى بأنه وفق العبد فالمراد أنه فعل لما يدعوه إلى اختيار الطاعة ، وأنه اختاره ، فوافق وقوعه ما فعله تعالى ، واتفقا في الوجود ، فصار تعالى موفّقا وصار هو موفّقا . فإذا صح ذلك فيجب أن يكون المراد بقوله :
يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
أنه تعالى عند إرادتهما الإصلاح ، يفعل من الألطاف ما يدعو إلى قبولهما ، فمتى قبلا كان موفقا بينهما ، فكيف يصح تعلق القوم بهذا الظاهر ؟ ثم يقال للقوم : إن الآية بكمالها تؤذن ببطلان قولكم ، لأنه تعالى إن كان
هامش
( 1 ) د : يوفق ذلك . ( 2 ) د : الكلام . ( 3 ) سبق أن أشرنا إلى مبدأ اللطف عند المعتزلة ، والكلام في التوفيق ، والعصمة والمعونة ، متصل بمقالتهم في أفعال العباد ، وأنها لا يجوز إضافتها إلى اللّه تعالى إلا على ضرب من التوسع والمجاز ، وذلك بأن تقيد بالطاعات ، فيقال : إنها من جهة اللّه تعالى ومن قبله ، على معنى أنه « أعاننا » على ذلك و « لطف » لنا و « وفقنا » و « عصمنا » من خلافه . وقد عرف القاضي « التوفيق » بقوله : « وأما التوفيق فهو اللطف الذي يوافق الملطوف فيه في الوقوع ، ومنه سمى توفيقا . وهذا الاسم قد يقع على من ظاهره السداد ، وليس يجب أن يكون مأمون الغيب حتى يجرى عليه ذلك » . شرح الأصول الخمسة : 779 - 780 .