149 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه قد يمنع من التوبة وقد لا يقبلها ، فقال :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
. . . [ 18 ]
والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل إلا على أن التوبة ليست لمن يعمل السيئات وقد حضره الموت ، وليس فيه بيان كيفيتها ولا الوجه الذي لأجله ليس له توبة .
والمراد بذلك : أن من عمل السيئات وحضره الموت وصار عند المعاينة عارفا باللّه ضرورة وملجأ إلى أن لا يفعل المعصية ، لم تكن له إذ ذاك التوبة ، لأن من حق التوبة أن تسقط العقاب إذا كان التائب متمكنا من فعل أمثال ما تاب منه ، ولو أن العاجز عن أفعال الجوارح اعتذر إلى من قتل ولده « من قتل ولده « 1 » ، لم يجب قبول اعتذاره في العقل ، لأنه قد خرج من أن يكون متمكنا من ذلك . ولهذا لا يقبل تعالى توبة أهل النار وإن ندموا على ما كان منهم لما كانوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح ، مضطرين إلى معرفته تعالى ، ولذلك سوّى تعالى بين أن يتوبوا في حال المعاينة وبين أن يموتوا على كفرهم ، مبينا بذلك أن العقاب قد حق على الجميع .
وهذا يدل على أنه تعالى قد مكن وأزاح العلة في التوبة ، وأنه يقبلها لا محالة في أحوال السلامة ، فهو بالضد مما ظنوه في باب الدلالة .
هامش
( 1 ) ساقط من د .