الصفة ، وهذا كما يقال للغير : إنك معجب برأيك ، إذا اشتد تمسكه بما يقتضى أن يكون جاعلا نفسه كذلك ، وقد يقول الفصيح لمن يخاطبه إذا لم يقع منه القبول : أين يذهب بك ؟ ويريد بذلك أنه صيّر نفسه كذلك ، لا أن غيره أنزله هذه المنزلة .
ثم يقال : لو كان تعالى جعلهم كذلك لما صح أن يقول :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
فيجعل ذلك متعلقا بالكفر وجزاء عليه ، ولما صح أن يذمهم ، وينسب المعصية إليهم !
46 - مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى بعد ما يدل على أن السحر من قبله وأنه إنما يضر بإرادته وأمره ، فقال :
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا
. . . الآية « 1 » .
والجواب عن ذلك : أنه ليس في الظاهر أكثر من أن الشياطين يعلمون ما أنزل تعالى على الملكين من أنواع السحر ، وقد علمنا أنه تعالى قد ينزل على الملك وعلى أنبيائه تعليم الخير والشر ، فالخير ينزله عليه ليفعل ، والشر ليعرف فيجتنب ، ولذلك قال تعالى :
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
يعنى بالفتنة : زيادة التكليف أو مشقته ، فلا تكفر . فيعلمان السحر والكفر ، ويضيفان إلى ذلك النهى عن التمسك به ، ولا يجب إذا تعلم منهما الغير ما يفرق بين
هامش
( 1 ) من الآية : 102 ، والآية بتمامها :« وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ، يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ ، وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ».